Date : 20,04,2021, Time : 06:49:15 PM
7525 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الأحد 23 رجب 1442هـ - 07 مارس 2021م 12:47 ص

جدل حول الحرب الثقافية في فرنسا والتأثيرات الأمريكية عليها

جدل حول الحرب الثقافية في فرنسا والتأثيرات الأمريكية عليها
نيويورك تايمز

تساءل كريستوفر كالدويل عن الحياة الثقافية في فرنسا بعد توقف المجلة المؤثرة “ديبا” (نقاشات) التي استمرت بالصدور مرتين في الشهر وعلى مدى أربعين عاما ولكنها هزمت أمام النقاش الثقافي الفرنسي الأيديولوجي والمركز على الهوية والمستقرض من الولايات المتحدة.

وفي مقاله الذي نشرته صحيفة “” قال كالدويل “في نهاية الصيف أرفقت ديبا المجلة الثقافية المرموقة في فرنسا عددها الذي خصصته لمرور أربعين عاما على صدورها بإعلان غير متوقع: ستتوقف عن الصدور بعد ذلك”. وظلت المجلة وثلاثة أو أربعة آلاف من الموالين لها ملتزمة بالولاء لليسار السياسي ومنذ الحرب الباردة، لكن معنى “اليسار” كان يتغير.

وسرق المنافسون المصطلح، وبخاصة الحركات الاجتماعية التي ظهرت في العقد الثامن من القرن العشرين بفرنسا من أجل الدفاع عن سياسة الهوية والعدالة الاجتماعية. وبعد معركة استمرت عقدا ضد هذه الحركات خسرت ديبا المعركة.

ويناقش المثقفون من كل الأطياف ماذا تعني هذه الهزيمة لفرنسا وسارعوا إلى نتيجة: أصبحت الحياة الثقافية في فرنسا عرضة لتأثير نموذج أيديولوجي يركز على الهوية وتم استيراده من الولايات المتحدة.

وطالما قاومت ديبا ما تم استيراده من أمريكا ولم تعقد سلاما مع السوق الحرة بنفس الطريقة التي قاوم بها من وصفوا أنفسهم بالديمقراطيين الاجتماعيين في أمريكا بيل كلينتون. ولم تركب موجة الغزوات الإنسانية والترويج للحرية كما فعل المثقفون الميالون لليسار في أمريكا مثل بول بيرمان وجورج باكر، كل هذا جيد، لكن تردد ديبا بالمشاركة في النقاش حول سياسة الهوية مع بداية ظهورها في فرنسا جعلها متأخرة عدة خطوات (ودائما مقلدة) عن إنجاز حركة الحقوق المدنية في أمريكا، مما شوه سمعتها بين الجيل الجديد من اليساريين في فرنسا.

ويرى الكثير من الفرنسيين أن الطريقة الأمريكية في السياسات الاجتماعية- العدالة شهدت تغيرا نحو الأسوأ. وهو ما يراه الرئيس إيمانويل ماكرون. ففي أعقاب وفاة جورج فلويد على يد الشرطة الأمريكية الربيع الماضي، اندلعت تظاهرات عنف واحتجاجات وجلبت معها محاولة تدمير التماثيل وغير ذلك من الرموز، وأحيانا بشكل مباشر، وفي بعض الأحيان بعد حركات احتجاج وتحريض.

ونظرا لخوفه أن تجد هذه الأفعال تعاطفا بين مواطنيه، أعلن ماكرون محذرا أن فرنسا لن تحذو حذو أمريكا “لن تمحو أي أثر أو أي اسم من تاريخها” و”لن تنسى أيا من أعمالها، ولن تدمر تماثيلها”. وبحلول الخريف الماضي كان ماكرون يستنكر تقاليد الجامعات الأجنبية “وأعني التقاليد الأنكلو -سكسونية والتي لديها تاريخ مختلف وليس تاريخنا”، قبل أن يخص بالذكر “عددا من نظريات العلوم الاجتماعية التي تم استيرادها من الولايات المتحدة الأمريكية”.

وعند النظر إلى الطريقة التي انتهت فيها “ديبا” يجب البحث عن التوترات التي تغلي منذ سنين إن لم تكن عقودا، وتعتبر نذير شؤم للحياة الثقافية في فرنسا وأماكن أخرى.

دعمت دار نشر غاليمار مجلة “ديبا” وكانت مجلة أدبية وسياسية لكن قلب المهمة التي أنشئت لها كان فرنسيا وتعبر عن تفكير فرنسي حول تلاقي العلوم الاجتماعية مع الفلسفة. وكان الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو والأنثروبولوجي كلود ليفي شتراوس من أوائل المشاركين فيها. وكان محررها المؤسس هو بيير نورا، وهو مؤرخ رائد للذاكرة الثقافية الفرنسية ومحرر عبقري، وكان محرر كتب فوكو في غاليمار. أما مدير التحرير فهو مارسيل غوشيه فيلسوف الديمقراطية ومؤرخ أديان.

وانشغل نورا وغوشيه بالشمولية والبحث عن سياسات لليسار تجنبهم الوقوع في أسرها. مثلا، درس غوشيه وبنوع من القلق التخلي البطيء عن المبادئ الديمقراطية من خلال مبادئ حقوق الإنسان مختلفة، وكتب محذرا في 2007 “على محك النظام” فـ”لم تعد السيادة للشعب بل السيادة للفرد المحددة في النهاية بنقض السلطة الجماعية”.

وحذر من أن حقوق الإنسان التي تفرضها المحاكم أو الإدارات المركزية قد تؤدي في النهاية لتأليب الديمقراطية ضد نفسها. وفي ذلك الوقت، 2007، كان رأي غوشيه، سواء حقا أم باطلا يستحق المشروعية، لكنه لم يعد قابلا في أعقاب النقاش المر حول زواج المثليين والهجرة.

وكانت أول إشارة عن السياسة الفرنسية التي ركزت على الأقليات في 1984 عندما حاول ناشطون مقربون من حكومة فرانسوا ميتران معالجة مشكلة الاندماج للمهاجرين القادم معظمهم من شمال أفريقيا، عبر مجموعة مشابهة للنشاط المدني الأمريكي واسمها “أس أو أس ريسيسزم”.

وردت ديبا عام 1993 بنوع من الشك ونشرت كتابا من تأليف عالم الاجتماع بول يونيت وناقش فيه أن المنظمة تدخل نظريات حول العرق في بلد كانت فيه هذه النظريات ضعيفة أو غائبة. وقال إن “عرقنة” القادمين الجدد والأصليين على حد سواء وتشجيع الفرنسيين للنظر إلى الأقليات وسطهم (اليهود تحديدا) على أنها أمر أجنبي على الثقافة الفرنسية.

وبين اليسار الفرنسي فالمساواة الفرنسية التي طرحها يونيت ربما كانت متشددة أو قاسية القلب ولكنها ليست بالضرورة محافظة. وكان صادما في 2002 عندما أصدر الباحث السياسي دانيال ليندربرغ كتابا وصف فيه المفكرين الرئيسيين في البلد مثل الفيلسوف ألين فينكلكروات وبيير مانين والروائي مايكل هولبيك بالرجعيين لتحفظاتهم على طرق إدارة فرنسا للتعددية الثقافية والمجتمع المسلم.

وكان كتاب ديبا مثل غوشيه ويونيت من بين الذين اتهمهم ليندربرغ أنهم قاموا وبطريقة غير صحية “برفع الغطاء عن المحرمات/التابو” التي جعلت فرنسا مكانا يرحب بالأقليات من كل الأنواع.

ولم يكن هذا في الحقيقة منصفا، فديبا، أصابت أم أخطأت، حملت معها إلى القرن الحادي والعشرين محرمات ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي قامت عليها عند صدورها في 1980. فعندما بدأ أحد نجومها وكتابها المشاهير هرفي جوفين الكتابة بشكل مستفز عن التعددية العرقية والاقتراب من الجبهة الوطنية قطعت المجلة علاقاتها معه.

ولكن فرنسا كانت تتغير. ففي 2004 كتب المساهم في ديبا أوليفيه بيتري غرينويلو كتابا عن تاريخ تجارة الرقيق العالمية وضم إليه ليس أسواق الرقيق الأوروبية فقط بل والعربية وبين الأفارقة أنفسهم. وتعرض لاتهامات بأنه يحاول تقليل التهمة ودور الأوروبيين في تجارة الرقيق عبر الأطلنطي ورفعت ضده دعوى قضائية بتهمة “التصحيح السياسي” وبناء على قوانين مكافحة التشهير المنتشرة في فرنسا.

وفي 2014 عندما دعي غوشيه، محرر المجلة، لتقديم محاضرة افتتاحية في “لقاء التاريخ” بمدينة بلوا دعا عالم الاجتماع جيفري لاغانري وإدوارد لوي لمقاطعة المناسبة بسبب مشاركة غوشيه. ووقع 200 مؤرخ على عريضة تشجب غوشيه وتصف كتاباته بالمحافظة والتي تشكك بحتمية احترام حقوق الإنسان.

وفي العام الماضي منع الناشطون الفيلسوفة والكاتبة بشكل متفرق بمجلة ديبا سيلفيان أغاسينسكي من محاضرة في جامعة بوردو على خلفية آرائها حول كرامة وعدم الاتجار بالجسد ومعارضتها للأم بالوكالة بشكل جعلها “معادية للمثليين سيئة سمعة”، وهذا الاتهام لا يخلو من المنطق كما يبدو، فلو أراد شخصان مثليان إنجاب طفل فيجب أن تحمله لهما امرأة. ومع ذلك فهذه صفة غريبة توصم بها الفيلسوفة التي دعمت زواج المثليين وتزوجت من الرجل نفسه، رئيس الوزراء الاشتراكي السابق ليونيل جوسبان الذي مرر أولا القانون وجعل الزواج المدني للمثليين مشروعا في 1999.

ولم يغير غوشيه ولا أغاسينسكي ولا من هم في نفس الدائرة مواقفهما، بل وتفوق عليهم الراديكاليون الذين قدموا أفكارا مثيرة إن لم تكن نقدا صارما للمجتمع.

ومع توقف دييا فإن أيا من نقادها من اليسار لم يذرف دموعا عليها، لأنهم رأوا فيها عقبة لتحقيق العدالة الاجتماعية وليس طريقا لمناقشة الأفكار فيها.

وفي مقابلة مع المؤرخة لودفين بانتغني حول إرث المجلة لم تكن متحفظة حول سوق الأفكار وقالت “من خلال تكرار الحديث عن وجود مشكلة مع المهاجرين في فرنسا” و”عبر التلويح بما يسمى أدلجة حقوق الإنسان إلى مساءلة شرعية حقوق الإنسان الجديدة وعبر تكرار حجج الفدرالية الأوروبية للإنسانيين” أي حركة المعارضين لزواج المثليين فقد “انتهى غوشيه لمنح الشرعية لكل من كوزير أو فالور أكتويل”.

وطرح المقارنة هذه من بانتغي مثير للفضول، فكوزير مجلة شهرية حديثة العهد لا يتجاوز عمرها عقدا من الزمن يحررها ليبراليون معارضون للتعددية، أما فالور أكتويل فهي مجلة يمينية محافظة على شاكلة مجلة تايم ونيوزويك. وعلى ما يبدو لم يعد أحد يناقش ما ينشر في المجلات بل ويقوم بمساءلة “شرعية” المجلات نفسها.

فمن أي جاء هذا الموقف غير الفرنسي؟ والجواب عند محرري ديبا هو “أمريكا”.

وبعد أيام قليلة من الإعلان عن توقف المجلة تحدث نورا في برنامج فينكلكروات على الراديو. وكان مقدم البرنامج يتحدث عن الميول المثيرة للقلق في الحياة الثقافية الفرنسية لكن نورا أراد توجيه النقاش نحو “الحركات الأمريكية” التي بدأت في حرم الجامعات على الجانب الآخر من الأطلنطي والتي بدأت تظهر في فرنسا “وما يطلقون عليه”: “متابعة النقاش لنتيجته، ثقافة الإلغاء والتي تدعو لمحو الثقافة..” وهنا توقف نورا وقال “على أي حال يمكنني أن أتجرأ للقول إن بعضنا كبير في العمر لكي يتذكر أصداء غوبلز في عقله عندما قال: عندما أسمع كلمة “ثقافة” أبحث عن مسدسي”.

وربما كان الكلام عن غوبلز ملفقا، لكن ما يدعو للتساؤل عن سبب استدعاء نورا الذي ولد في منتصف القرن العشرين وانشغل بميراث الحرب العالمية الأخلاقي، لغوبلز لمناقشة التأثير الثقافي الأمريكي على بلده.

وكتب الفيلسوف إيف شارل زركا في عدد الخريف عن موت ديبا قائلا: “هناك موجة أيديولوجية عاتية قادمة من الولايات المتحدة” و”تجلب معها إعادة كتابة التاريخ والرقابة على الأدب وتدمير التماثيل وفرض الرؤية العرقية على المجتمع”. وقال لوك فيري الفيلسوف المحافظ بمقال له العام الماضي إن هذه الحركة ليست متمردة كما تبدو و”إن ظهر أتباعها كمعادين للرأسمالية وأمريكا” فإن “هؤلاء الناشطين يقلدون ما يدور في حرم الجامعات على طول الأطلنطي ومنذ أربعة عقود”.

وكان الحذاء في القدم الأخرى، فقد كانت أمريكا هي التي تتعلم من فرنسا. وحتى جيل سابق وحتى عصر ميشيل فوكو وجاك دريدا، كانت أمريكا تعود إلى فرنسا في الشؤون الثقافية، ولم تعد.

فتوقف ديبا لم تذكره أية صحيفة أو مجلة أمريكية واسعة الانتشار. ويمكن لأمريكا التعلم من فرنسا طالما تعاملت مع ما تأخذه عبر المساءلة الصحيحة. ويمكن البدء بسؤال حول الأكاديميا الأمريكية في العقود السابقة وبالثقافة التي تحملها والسلوك السياسي الذي تعززه، وإن كانت قوة للحرية الفكرية أم العكس.

نيويورك تايمز




مواضيع ساخنة اخرى

وزير خارجية تركيا يتصل بنظيره المصري بعد أنباء عن وقف التواصل
وزير خارجية تركيا يتصل بنظيره المصري بعد أنباء عن وقف التواصل
الشرطة الإسرائيلية "تضرب" نائبا في الكنيست
الشرطة الإسرائيلية "تضرب" نائبا في الكنيست
الديوان الملكي الاردني : الامير حمزة يؤكد التزامه بنهج الاسرة الهاشمية
الديوان الملكي الاردني : الامير حمزة يؤكد التزامه بنهج الاسرة الهاشمية
حذت حذو سابقتها.. إدارة بايدن تمتنع عن وصف الضفة الغربية بالأراضي المحتلة
حذت حذو سابقتها.. إدارة بايدن تمتنع عن وصف الضفة الغربية بالأراضي المحتلة
الاتحاد الأوروبي: تعيين مبعوثاً إلى ليبيا خلال الأيام القادمة
الاتحاد الأوروبي: تعيين مبعوثاً إلى ليبيا خلال الأيام القادمة
عُمان : القبض على فتيات لاستدراجهن أشخاص بصور غير أخلاقية
عُمان : القبض على فتيات لاستدراجهن أشخاص بصور غير أخلاقية
محافظ مأرب: لولا طيران التحالف لاختلف الأمر مع الحوثيين
محافظ مأرب: لولا طيران التحالف لاختلف الأمر مع الحوثيين
قراصنة صينيون يخترقون 30 ألف مؤسسة أميركية بسبب خلل في مايكروسوفت
قراصنة صينيون يخترقون 30 ألف مؤسسة أميركية بسبب خلل في مايكروسوفت
إيران: نتنياهو يلجأ إلى الأكاذيب المتعصبة لاستحضار رهاب إيران العنصري
إيران: نتنياهو يلجأ إلى الأكاذيب المتعصبة لاستحضار رهاب إيران العنصري
العثور على جثث 13 تركيا في كهف شمالي العراق
العثور على جثث 13 تركيا في كهف شمالي العراق
مجلس الأمن يفشل في الاتفاق على بيان مشترك بشأن سوريا
مجلس الأمن يفشل في الاتفاق على بيان مشترك بشأن سوريا
العراق : لن يكون هناك تدخل بانتخابات العراق
العراق : لن يكون هناك تدخل بانتخابات العراق
تحقيق مع شركة فرنسية ساعدت نظام الأسد بقمع السوريين
تحقيق مع شركة فرنسية ساعدت نظام الأسد بقمع السوريين
لليوم الثاني الآلاف يتظاهرون ضد الانقلاب العسكري في ميانمار
لليوم الثاني الآلاف يتظاهرون ضد الانقلاب العسكري في ميانمار
ألمانيا ترفض أي سحب للقوات الدولية من أفغانستان
ألمانيا ترفض أي سحب للقوات الدولية من أفغانستان
30 مليون أميركي على حافة الجوع
30 مليون أميركي على حافة الجوع
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

وزير الخارجية الأوكراني: الوضع على خط التماس في دونباس لا يزال متوترا


اقرأ المزيد