أغلاق



الكاظمي

قراءة في بكائيات رئيس الوزراء العراقي الجديد

2020/05/25 23:27

جي بي سي  نيوز:- واهم من يعتقد أن تكرار التجارب الفاشلة بالعناصر نفسها وتحت الظروف نفسها، ستعطي نتيجة ناجحة. ومُغفّل ذلك الذي يطلب من السارق أن يحمي بيت المال، والذئب أن يحرس القطيع، والحرباء أن تأخذ موقفا، والمتسلط أن يحمي الحرية، والكاذب أن يصدق، ومغتصب السلطة أن يتخلى عنها طوعا.
لكن يبدو أن كل من يأتي على رأس السلطة في العراق يؤمن بهذا اللامنطق واللامعقول، فيتخذ من هذا المسلك الشاذ وهذه الأدوات الفاسدة مؤونة له للإبحار في دماء العراقيين وزادهم ومستقبلهم ، بحسب " القدس العربي " 
وقف رئيس الوزراء العراقي الجديد خطيبا في البرلمان لحظة تنصيبه ليقول، إن حكومته حكومة حل وليست حكومة أزمة، وإنه سوف يحل جميع مشاكل العراقيين، الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وإنه سيقضي على الفساد والفاسدين، وإنه سيُخضع الميليشيات إلى سلطته، ويحصر السلاح بيد الدولة، لكن المقال الذي نشرته له بعض الصحف المحلية الأسبوع الماضي، الذي استعرض فيه ما وصفها بالتحديات التي تواجهه شخصيا في المسؤولية، وكذلك تواجه العراق وشعبه، ذكّرت العراقيين بشكوى سالفيه في المنصب، حينما كانوا يخرجون على الملأ في كل مناسبة، مبررين عدم إحراز أي تقدم في حل مشاكل البلاد والعباد بالقول، إن البعض يسرق، وإن البعض يمارس الفساد، وإن البعض يعرقل الإصلاح والتقدم، وإن هنالك جهة ثالثة هي من تقتل وتخطف وتعتقل. والمفارقة أن لا أحد منهم يجرؤ على القول ما هي هذه الجهات، ومن هم هؤلاء البعض، رغم أن المتحدثين في قمة هرم السلطة السياسية والعسكرية أيضا. واليوم ينتهج رئيس الوزراء الجديد الأسلوب نفسه، والخطاب نفسه. إنه يبث الشكوى والتحذير من المقبل، وكأنه ليس ابن هذه المنظومة وأحد عناصرها الفاعلين، وكأنه ليس ابن المشروع الذي جلب الاحتلال منذ بداياته قبل الشروع في الغزو وأحد عناصره الفاعلة. وإذا لم يكن هو كذلك إذن كيف أصبح رئيسا لجهاز المخابرات؟ ومن الذي يستطيع أن يتولى جهاز المخابرات، غير الموثوق به من قبل السلطة وأقرب المقربين إليها؟

يصف في مقاله حال العراق، قائلا بأن (سيادتنا استمرت منقوصة، أو منتهكة أو معرضة للشكوك، وأراضي بلادنا يراد أن تصبح ميدانا لصراع الآخرين، وأمن مواطيننا مهدد). وكيف لا يحدث ذلك والنظام السياسي القائم فاقد للشرعية؟ فوجود الدولة من شرعية النظام السياسي القائم فيها، والدولة تضمحل من فقدان النظام السياسي شرعيته، لذلك من الطبيعي أن لا توجد سيادة، وأن تصبح أراضينا ميدانا لصراعات دولية وإقليمية. ثم يذهب للقول بأن ما يُعيد للدولة هيبتها وبسط سيادتها (يتطلب أن لا يكون أي طرف، مهما كان شأنه، أو مصدر قوته، أو موالاته فوق إرادة الدولة والدستور والقانون). ومع ذلك يذهب لزيارة مقر هيئة الحشد الشعبي في السادس عشر من مايو/أيار الجاري، مرتديا زيهم كدفعة معنوية لهم، في حين يفترض أنه يعلم جيدا، بحكم عمله رئيسا لجهاز المخابرات، بأن الفصائل المنضوية فيه تدين بالولاء العلني وليس السري الى الولي الفقيه الايراني، وبعضها شارك في القتال في سوريا بأوامر من الحرس الثوري الايراني. كما أن هذه الميليشيات المسلحة، وبعد ثلاثة أيام من زيارته أثبتت أنها لن تخضع له، حينما أطلقت صواريخها على المنطقة الخضراء، في التاسع عشر من الشهر الجاري. وحتى عندما وصفهم في زيارته لهم بأنهم أحفاد جلجامش الملك التاريخي العراقي، رد عليه أحد قادة الحشد بالقول (نحن لسنا أبناء جلجامش ولا نفخر بصلتنا به) بل ماذا يقول رئيس الوزراء في صور الإيرانيين، التي امتلأت بها شوارع وساحات العاصمة بغداد والمحافظات هذه الايام؟ كيف يقبل أن يكون رئيسا للوزراء في بلد تُرفع فيه صور الخميني وخامنئي وقائاني، وكلهم زعامات إيرانية؟ أليست هذه التصرفات والأفعال كلها تندرج في خانة إسقاط الدستور والقانون اللذين يتحدث بهما؟

أما في الشأن الاقتصادي، الذي قال عنه في المقال (إن الثروة التي دخلت خزائن العراق على مدار السنوات السبع عشرة الماضية، كانت تكفي لإعادة بناء البلاد وتأسيس صندوق المستقبل، فإن الفساد قد استنزفها وهُرّب بعضها علنا إلى خارج البلاد، ولم أجد وأنا أستلم المسؤولية الإ خزينة شبه خاوية) هذا القول يدين قائله، لأن القائل هو رئيس جهاز المخابرات، ويفترض أن يكون على علم تام بمن قام بهذا الفعل، وبما إنه اليوم في قمة هرم السلطة السياسية، ويدعي بأن برنامجه مكافحة الفساد، فالشعب العراقي ينتظر منه الإفصاح عن معلوماته حول هذا الموضوع، وأن يُسمي الأشياء بأسمائها، إن كان فعلا يريد الإنقاذ، لا أن يقدم لنا وصفا كلاميا عن حال الخزينة والمليارات التي ذهبت إلى الخارج. كما أنه ليس حلا أن يتجه إلى الولايات المتحدة، ودول أخرى وصندوق النقد الدولي للاقتراض منها. فهذه العملية قد يكون فيها إنقاذ له، لكنها ديون تضع مستقبل الأجيال القادمة من العراقيين في مهب الريح.
إن المأزق الذي وضع رئيس الوزراء نفسه فيه، بات يطل برأسه عليه يوما بعد يوم، فقد تصور أن تربعه في قمة هرم السلطة السياسية، سيمنحه حيزا أكبر للحركة من رئاسة المخابرات، ربما كان صاحب قرار في ذلك المكان، لكنه اليوم في مكان تُملى عليه القرارات، وليس هو من يصنعها للأسف. فالمعادلة في هذا المكان تقول من أتى بك هو من يصنع قرارك، لذا هو يعدد الصعوبات التي يواجهها وهي (التناقض بين الوعود العلنية التي أكدت حريتي في اختيار التشكيلة الوزارية، وما يبدو وراء الكواليس من مناورات وشد من قبل البعض، وهو ما يعرقل ويعطل استكمال الحكومة). ويضيف أن دعواتنا لـ(وضع البلاد على طريق المعافاة لا تجد آذانا صاغية لدى البعض). وهذه كلها ظواهر تشير إلى أن صانع القرار ليس في الهيكل الذي يتربع على عرشه رئيس الوزراء، كما أنها ليست بيد من يضعون العراقيل بوجهه كما يقول، بل هي بيد اللاعبين الدوليين والإقليميين، الذين يضعون العراقيل في وجه بعضهم بعضا على المسرح العراقي وشعبنا من يدفع الثمن.
قد يقول قائل إن رئيس الوزراء الجديد ليست بيده عصا سحرية تحوّل العراق من دولة فاشلة إلى دولة قائمة، ولابد من منحه الوقت اللازم للقيام بما هو مطلوب منه.، لكن هذا القول لا ينطبق على رئيس الوزراء الحالي، لأنه ليس من خارج الطبقة السياسية القائمة، هو يعرف جيدا من السارق، ومن المفسد، ومن الذي هرّب ملايين الدولارات إلى الخارج، ومن الذي قتل وخطف وعذّب المتظاهرين، لكنه لا يستطيع البوح بذلك، لأنه ابن هذا الواقع الموحل. وهو يعرف أيضا أن الثقة الممنوحة له من قبل البرلمان من السهولة أن تتغير بسرعة، وتصبح الأصوات التي صوتت له ضده حين يخرج عن المسار المرسوم له.
*كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية

مواضيع ساخنة اخرى

غوتيريس يندد بـ"تدخل أجنبي غير مسبوق" في ليبيا
غوتيريس يندد بـ"تدخل أجنبي غير مسبوق" في ليبيا
اغتيال المحلل السياسي العراقي هشام الهاشمي .. بالفيديو
اغتيال المحلل السياسي العراقي هشام الهاشمي .. بالفيديو
بوريل: علاقتنا مع تركيا باتت أهم قضية خارجية للاتحاد الأوروبي
بوريل: علاقتنا مع تركيا باتت أهم قضية خارجية للاتحاد الأوروبي
"العفو الدولية" تنتقد استغلال القوانين في لبنان لمضايقة النشطاء
"العفو الدولية" تنتقد استغلال القوانين في لبنان لمضايقة النشطاء
استشهاد معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية
استشهاد معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية
حزب الله يتحدى.. معبر تهريب جديد من البقاع للزبداني
حزب الله يتحدى.. معبر تهريب جديد من البقاع للزبداني
ليبيا.. طيران مجهول الهوية يقصف قاعدة الوطية الجوية
ليبيا.. طيران مجهول الهوية يقصف قاعدة الوطية الجوية
هجوم صاروخي على محيط السفارة الأميركية في بغداد
هجوم صاروخي على محيط السفارة الأميركية في بغداد
رئيس الكنيست السابق يفجر مفاجأة: ترامب هو من أوقف خطة "الضم"
رئيس الكنيست السابق يفجر مفاجأة: ترامب هو من أوقف خطة "الضم"
لبنانيون يطالبون بنزع سلاح حزب الله وحصره بيد الجيش
لبنانيون يطالبون بنزع سلاح حزب الله وحصره بيد الجيش
لسوء الأوضاع المعيشية.. لبنانيان ينتحران في يوم واحد
لسوء الأوضاع المعيشية.. لبنانيان ينتحران في يوم واحد
السراج يبحث مع وزير الدفاع التركي الأوضاع في ليبيا والتنسيق الأمني
السراج يبحث مع وزير الدفاع التركي الأوضاع في ليبيا والتنسيق الأمني
بشار الأسد يمحو بالعرين آثار ابن خاله في البستان
بشار الأسد يمحو بالعرين آثار ابن خاله في البستان
وزير الري المصري: إذا انهار سد النهضة فسيغرق السودان بالكامل
وزير الري المصري: إذا انهار سد النهضة فسيغرق السودان بالكامل
بومبيو: لن نسمح لإيران بزعزعة استقرار المنطقة مجدداً
بومبيو: لن نسمح لإيران بزعزعة استقرار المنطقة مجدداً
ذي أتلانتك: كيف تحول كورونا في أمريكا إلى مرض اسمه ترامب
ذي أتلانتك: كيف تحول كورونا في أمريكا إلى مرض اسمه ترامب