Date : 22,05,2022, Time : 07:27:34 PM
3985 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الثلاثاء 14 جمادي الآخر 1443هـ - 18 يناير 2022م 12:54 ص

اختناق قيس سعيد واجتراع الحوار المر

اختناق قيس سعيد واجتراع الحوار المر
بحري العرفاوي

السياسة ليست نظرية فلسفية في الحكم ولا شعارات شعبوية تستثير عواطف الناس وحماستهم، إنما هي خضوع واع لواقع قد يكون من صنعنا وقد يكون من صنع غيرنا، واقع يفرض علينا فهمه وتفكيك عناصره وابتداع طرائق في التعاطي معه.

دعوة قيس سعيد السبت (15 كانون الثاني/ يناير) الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، ودعوته "في شخصه وباعتباره أمينا عاما للاتحاد" (كما قال)، ومحتوى كلمته وما قدم به من قصة "غزل" ابن زيدون وولادة، أيضا امتداد جلسة اللقاء ثلاث ساعات ونصف.. كلها مؤشرات على أن قيس سعيد بدأ يسدل جناحيه ليحط على الأرض، أرض تابع اهتزازها البارحة في العاصمة، ووصلته ردود فعل منددة من أصقاع بعيدة، وتناهت إليه تحذيرات من أن الأزمة الاجتماعية لن تحلها شعاراته. فالناس لا يعتقدون بأن سعيد فيلسوف أو أديب أو نبي أو زعيم ثوري، إنما اعتقدوا أنه رجل صادق يحب الفقراء ويشعر بمسؤولية تجاه عثرة بغلة أو بيضة "رويحة"، ولن تشفع له اتهاماته للآخرين كما لم تشفع لمن سبقوه تبريرات فشلهم بكون معارضيهم منعوهم من العمل..

لقد بدا قيس سعيد في المدة الأخيرة متخبطا متوترا ومتقلب المزاج، ينبسط حينا وينشد دائما، ولا يلقي خطابا مفيدا خارج صخب التهديد والوعيد والشتائم والردود على ما يُبلغه إليه بعضـ"هم" من تدوينات مدوني ونشطاء الفضاء الأزرق.

لم يعقد قيس سعيد يوم الخميس الماضي مجلسا وزاريا مثلما هو معتاد عليه، ليعقده السبت بعد احتجاجات الجمعة وما رافقها من عنف عناصر أمنية بالزي الرسمي أو الزي المدني، وما تبع ذلك من حملات إدانة واسعة؛ إعلامية وحقوقية وسياسية وثقافية داخليا وخارجيا.

السيد نور الدين الطبوبي في تصريحه بعد اللقاء بدا متفائلا، وأكد وجهة نظر الاتحاد الثابتة الحريصة على حوار وطني يضمن مشاركة الأحزاب السياسية والمنظمات للخروج من الأزمة. الطبوبي يذكر دائما أنه لا حل للأزمة الاجتماعية إلا ضمن حل سياسي.

ولئن كان الطبوبي يتكلم عن الحوار قناعة وقد سبق له عرض خطة للحوار على الرئيس، وهو لا يغفل عن شرف إشراف منظمة حشاد على حوار وطني في 2013، فإن قيس سعيد لا يمكن الاطمئنان إليه وهو يأتي للحوار مكرها بعد أن سدت أمامه مصادر الإقراض والمنح، وبعد تأكده من اشتداد الأزمة الاجتماعية وما يمكن أن يترتب عنها من هزات اجتماعية في الفترة القادمة.

وهو يعي جيدا أن من "يتربص" بهم لن يمنحوه فرصة الإجهاز عليهم، ولهم تجاربهم في خوض تحريك الشوارع حين يكون لا بد من دفع الأذى كممارسة نضالية بعيدا عن توقع نتائج الربح والخسارة. وقيس يعلم أن الظرف مختلف، وأنه لا يملك تاريخ بورقيبة ولا خبرة ابن علي، وأن من يوجهونه إنما يدفعون به نحو الهاوية حين يزينون له ما هو بصدده، ولا يشيرون عليه برأي ولا ينبهونه إلى منزلق ولا يصارحونه بخطأ. لسنا نحكم على ضمائرهم، لا نصمهم بسوء النية إنما نصفهم بسوء التقدير، رغم ما يقال عن انتهازيين وغنائميين وفاسدي طباع لا تعنيهم مصلحة وطن ولا محاربة فساد ولا إصلاح أوضاع وصلاح حال، إنما تعنيهم مصالحهم ولا يتورعون عن استعمال كل الأساليب للتقرب وادعاء المناصرة، حتى وإن كان ذلك على حساب السلم الأهلي والحق والحقيقة، وعلى حساب أمن الناس وأعراضهم. لقد شهدت تونس تجارب دامية في عدة محطات من تاريخها حين تحول كثيرون إلى أظافر وسخة يبطش بها الاستبداد.

الحوار الوطني بمعايير محددة وأهداف واضحة هو شرط خروج البلاد من أزمتها، وشرط "نجاة" الجميع من سوء عاقبة يدفع نحوها قيس سعيد بخطابه التحريضي وقاموس مفردات متعجرفة.

الحوار ليس مسلك عودة لما مضى ولا مسربا لتسريب الانقلاب، لا أحد يدافع عن مواطن فشل وكسل وعجز وتقصير تقتضي المحاسبة، ولا أحد أيضا يقبل بأن تطمس تجربة الحرية ودربة الديمقراطية في كوم شعبوية بائسة، وإنما المطلوب هو المراكمة على كل مكسب إيجابي بداية من نشأة الدولة الوطنية إلى اليوم، والاستفادة من الأخطاء، مع فتح ملفات الفساد والسرقات والتهرب والتهريب والجريمة أمام سلطة قضائية لا تخضع إلا لسلطة القانون و"ضمير" القضاء، ولا تقبل بأن تكون "وظيفة" لدى "مشرع واحد".

ولئن كان الحوار مطلب العقلاء، فلا أعتقد أن البنية النفسية والذهنية لقيس سعيد تؤهله لكي يكون رئيسا جامعا مجمعا وحكما، "حكما" لا بتجميع السلطات بين يديه ولا بخزعبلات المنصة الالكترونية والاستفتاء الكرتوني، وإنما من خلال احترامه للدستور والحريات ومؤسسات الدولة ومن خلال الاحتكام إلى الشعب بآليات معلومة، سواء في تعديل الدستور أو في مراجعة النظام الانتخابي والنظام السياسي.

رغم احتداد الأزمة وحاجة البلاد إلى كل أبنائها، فإن بعض المتطرفين أيديولوجيا استعادوا حنينهم إلى تجربة استئصال "عدوهم اللدود": حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية.

تحليلات بعض خصوم النهضة يبنونها على فرضية "تصدع" الحركة بسبب استقالات واسعة بين العديد من رموزها ومن مناضليها في المكاتب الجهوية والمحلية، وحتى في مجالس الشورى المركزي والجهوية، وعدد من قياداتها الشبابية المرموقة. يرى هؤلاء أن "خصمهم" الكبير قد أصيب بالشيخوخة والتحلل، وأنهكته الخصومات الداخلية ولم يعد قادرا على خوض معارك سياسية أو ميدانية، ومن ثم فإن الطريق أصبح سالكا كي يعيدوا هم الانتشار؛ يملأون فراغات تركها جسم النهضة المنهك.

المقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج من جنسها، والأوهام تنتهي بأصحابها إلى ارتطام.

الذين استقالوا من حركة النهضة لم يكونوا موظفين في جهاز إداري أو أصحاب أسهم في شركات حتى تنتهي علاقتهم بها بمجرد إعلان استقالتهم، هؤلاء - الذين استقالوا - إنما أعلنوا فك ارتباطهم الإداري بالحركة بسبب خلاف حول إدارة المركبة التنظيمية بمختلف هياكلها، وحول التعاطي مع مفاعيل السياسة منذ - أو حتى قبل - 2011.

المستقيلون هؤلاء تابعنا نقدهم وانتقادهم للقيادة المتبقية وعلى رأسها الغنوشي، ولكننا لا نجد تبرؤا من تجربة سياسية وعقدية، ولا تراجعا عن مبادئ وأهداف كبرى، ولا قطعا لوشائج "الأخوة" في معناها الروحي والتاريخي والنضالي.

الذين يعولون على ضعف حركة النهضة بسبب تلك الاستقالات "هم واهمون" (كما يقول دائما قيس سعيد)، وهم يبنون مخططاتهم على كثيب رمل، وعليهم أن يتابعوا أن الرموز المستقيلة هي الأكثر حضورا وحضورية اليوم في مواجهة الانقلاب، وفي الدفاع عن الحريات والتدرب الديمقراطي وأشواق الثورة.

عربي 21 




مواضيع ساخنة اخرى

الجيش الإسرائيلي يعلن كشفه مسار نقل أسلحة "يديره صهر قاسم سليماني" من إيران إلى لبنان
الجيش الإسرائيلي يعلن كشفه مسار نقل أسلحة "يديره صهر قاسم سليماني" من إيران إلى لبنان
واشنطن ترحب بتسيير رحلة طيران بين صنعاء وعمّان
واشنطن ترحب بتسيير رحلة طيران بين صنعاء وعمّان
الكرملين: انضمام السويد وفنلندا للناتو خطأ جسيم ولن يحسن أمن أوروبا
الكرملين: انضمام السويد وفنلندا للناتو خطأ جسيم ولن يحسن أمن أوروبا
مجلس الأمن يعتمد بيانا يدين اغتيال شيرين أبو عاقلة ويدعو لتحقيق نزيه
مجلس الأمن يعتمد بيانا يدين اغتيال شيرين أبو عاقلة ويدعو لتحقيق نزيه
بريطانيا : أم تعترف أمام المحكمة بقتل أطفالها الثلاثة.. إليكم التفاصيل
بريطانيا : أم تعترف أمام المحكمة بقتل أطفالها الثلاثة.. إليكم التفاصيل
شهيدان في الضفة.. وإصابة ثالث برصاص الاحتلال في القدس- (شاهد)
شهيدان في الضفة.. وإصابة ثالث برصاص الاحتلال في القدس- (شاهد)
كشف موعد زواج ابنة ترامب من خطيبها العربي
كشف موعد زواج ابنة ترامب من خطيبها العربي
غوتيريش يدعو لوقف إطلاق نار بأوكرانيا..ويثير انتقاد زيلينسكي
غوتيريش يدعو لوقف إطلاق نار بأوكرانيا..ويثير انتقاد زيلينسكي
بايدن سيناقش مع الحلفاء سبل إبقاء روسيا "قيد المساءلة"
بايدن سيناقش مع الحلفاء سبل إبقاء روسيا "قيد المساءلة"
نحو 900 قتيل مدني حول كييف وروسيا تتوعد بهجمات جديدة
نحو 900 قتيل مدني حول كييف وروسيا تتوعد بهجمات جديدة
القبض على طاقم برنامج مقالب شهير في مصر
القبض على طاقم برنامج مقالب شهير في مصر
أبكاها بكلامه.. تسجيل صوتي لما دار بين محمد رمضان ورهام سعيد
أبكاها بكلامه.. تسجيل صوتي لما دار بين محمد رمضان ورهام سعيد
بايدن يوقع على تشريع إنهاء استيراد النفط الروسي وتعليق العلاقات التجارية مع موسكو ومينسك
بايدن يوقع على تشريع إنهاء استيراد النفط الروسي وتعليق العلاقات التجارية مع موسكو ومينسك
مستشارة للقذافي تكشف: كان وسيطا محتملا لإسرائيل
مستشارة للقذافي تكشف: كان وسيطا محتملا لإسرائيل
جيش الاحتلال ينشر منظومات دفاع جوي
جيش الاحتلال ينشر منظومات دفاع جوي
بعد اتفاق سعودي كويتي.. إيران: سنبدأ قريبا عمليات الحفر في "حقل الدرة"
بعد اتفاق سعودي كويتي.. إيران: سنبدأ قريبا عمليات الحفر في "حقل الدرة"
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

إعمار غزة يسير ببطء واتهامات للاحتلال بالضغط على المانحين


اقرأ المزيد