Date : 19,01,2022, Time : 07:47:14 PM
3658 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الخميس 18 جمادي الاول 1443هـ - 23 ديسمبر 2021م 01:21 ص

من يبني السفينة في أربيل؟

من يبني السفينة في أربيل؟
علي الصراف

الجودي قريب. ولكن من يبني السفينة في أربيل؟

عاصمة كردستان العراق تغرق، وتجرف السيول منازل وجسورا وسيارات، كما تجرف ضحايا. ولكنها، برفقة محافظتي الإقليم الأخريين دهوك والسليمانية، إنما تغرق بالفساد أكثر.

فإذا ما حاول أي أحد أن يبني سفينة، داعيا الناس إلى الالتحاق به، فمما لا شك فيه أنه سيلقى السخرية. وربما أحرق “الأسايش” أخشاب سفينته وأحرقوه معها.

كردستان التي كانت حلما من أحلام الحرية والإدارة الذاتية والاستقلال السياسي، تحولت إلى مرتع لشبكات فساد ومافيات، حتى لم يعد بوسع مواطني الإقليم إلا أن يجدوا أنفسهم في كيان لا يختلف كثيرا عن الكيانات الفاشلة الأخرى، ومنها شقيقهم في الجوار (المركز).

الإقطاع السياسي الذي هيمن على مصائر 6 ملايين مواطن في الإقليم، لم يدرك ما تغير في حياتهم، ولا دوره الجديد فيها.

فعلى نحو ما أصبحت أربيل والسليمانية ودهوك مدنا عامرة. ونشأت فيها مقومات حياة مدنية ذات طبيعة مختلفة عن نمط الحياة في القرى التي كانت تجوبها مفارز البيشمركة.

العلاقة بين تلك المفارز وتلك القرى، لم تعد قائمة أصلا. قيادة البيشمركة تحولت إلى حكومة. والمدن التي كانت خاضعة لسلطة بغداد، صارت مدنهم، وهم الذين يتحملون المسؤولية فيها عن كل شيء، من تنظيم المرور إلى فتح المجاري. ومن إدارة المراكز الحكومية إلى الإشراف على التعليم والجامعات وإدارة الاقتصاد.

الأكراد لم يبقوا هم أنفسهم. التعليم والحريات المدنية والمشاركة في إعادة الإعمار صنعت منهم شعبا ما كان يُفترض أن يُحكم بإقطاع يوزع السلطة والمسؤوليات الحكومية على أفراد عائلة واحدة أو عائلتين.

الشعب شيء. والعشائرية شيء آخر.

نهضة الحركات ذات الطبيعة الإسلامية، في مواجهة هذه العشائرية، كان يفترض أن تكون أمرا متوقعا وطبيعيا. والسبب بسيط. هو أن الإسلام (بمعناه المعتدل) كان أقرب إلى الهوية الجامعة من الأيديولوجيات التي لم تجد لها طريقا في كردستان.

الشيوعيون الأكراد بقوا هم الوحيدون تقريبا، ولكنهم ظلوا يدفعون ثمن سياسات حزبهم الأكبر، ليبقوا مثل جزيرة معزولة، لا هي مدت جسورا خارج الشراكة مع الإقطاع الذي بقيت تعمل في ظله، ولا المدينة مدت إليهم الجسور بعد “تحريرها”.

ما حصل هو أن الإقطاع السياسي الذي صار حاكما، لم يمد هو نفسه الجسور مع “الشعب” الكردي الذي كان يتوجب أن يتعرف عليه، للمرة الأولى، بغير عقلية المفارز.

“إقامة علاقة حسن جوار مع الشعب الكردي”، كانت هي المهمة الأولى والأكبر التي لم يأخذ بها الحزبان الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. إذ حكماه ليس كإقطاع مسلح فحسب، وإنما كمافيات سياسية مسلحة أيضا. لأنهما إذ لم يفهما الانقلاب الحاصل في وضعيتهما الجديدة كسلطة على الإقليم (ريفا ومدينة)، فقد كانت المافياوية هي الطريق الأقرب تناولا لهما. فأثْرت قياداتهما، وكدست الأموال، ونقلت جزءا كبيرا منها إلى الخارج حتى ليقال إن إحدى العائلات الكبرى تملك أكثر من مليار دولار في لندن وحدها، وعندما توفي “المالك”، تنازعت الأسرة على تقاسم الإرث. ومثلها بعض “كبار” الأسر الإقطاعية الأخرى.

“الشعب الكردي” كان في واد آخر، غير هذا الواد. الحزبان الكبيران لم يتعرفا عليه، ولم يقيما معه علاقات أخوية. وأصبحت أجهزة المخابرات تمارس دورها مثلما تفعل أجهزة مخابرات أنظمة الاستبداد الأخرى.

ظهور حركة معارضة لم يكن أمرا بديهيا فحسب، لا مدنيا طبيعيا فحسب، ولكنه كان تعبيرا عن صدمة شعبية حيال أولئك الذين زعموا أنهم جاؤوا “محررين” قبل أن يكتشف مواطنوهم الأكراد أنهم ليسوا في الواقع سوى غزاة. كانت مفارزهم ترضى بأرغفة خبز وجبن وشاي، فصارت سلطتهم لا تشبع بمليارات الدولارات.

الموارد كبيرة. فعدا عن الأموال التي يحصل عليها الإقليم كنوع من الإتاوة، في إطار نظام المحاصصة الطائفية، فإن موارد النفط الخاصة لم تكن قليلة. العام الماضي وحده تم جني 4.5 مليار دولار.

ولئن ظلت حكومات الإقطاع تمنع عن الموظفين رواتبهم، بدافع الابتزاز لبغداد، فإنها لم تلاحظ العاقبة الكامنة في أن “مواطني” الإقليم ليسوا قطعانا تُساق إلى الجوع. ليس في المدينة على الأقل.

شركة التدقيق “ديلويت” (Deloitte) قالت في تقرير عن مبيعات النفط للأشهر التسعة الأولى من عام الماضي “اكتشفنا أن 29 في المئة فقط من أموال النفط قد أعيدت إلى الحكومة”. أما الـ61 في المئة فقد دخلت في جيوب “المحررين” الأشاوس.

وتتوافر أدلة من مراسلات دبلوماسية وتقارير منظمات رقابية أجنبية كثيرة على مستويات فساد غير مسبوقة. أحد رجال الأعمال الذين حصلوا على دفع دبلوماسي للاستثمار في كردستان، رفض القيام بأي أعمال تجارية في كردستان قائلا إن “الفساد (فيها) أسوأ من بغداد”.

وفي عدة مناسبات، لاسيما في السليمانية، فعندما خرج موظفو القطاع العام في تظاهرات للتنديد بالفساد، فإنهم غالبا ما وُوجهوا بحملات ملاحقة وترهيب.

رئيس برلمان الإقليم السابق كردستان العراق، يوسف محمد، قال ذات يوم إن “مافيات الفساد أصبحت تحكم الإقليم، وإن الفساد شوّه جميع مفاصل الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية. وهو لم يتسبب بهدر المليارات من الدولارات من الثروات العامة فحسب، بل نتج عنه أيضا إغراق اقتصاد الإقليم بالديون والقروض المحلية والأجنبية”.

والقروض لتمويل “المشاريع” الوهمية كانت في الواقع واحدة من أحابيل شركاء الفساد في “العراق الجديد”، الذي أصبح تمويل الفساد في كردستان أحبولة أخرى من أحابيله.

نائب رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، قوباد الطالباني، أقر في العام 2017، بوجود فساد في الإقليم، قائلا إن “فراعنة الفساد في الإقليم معروفون لدى الرأي العام، ويظهرون على الشاشات لشجب الفساد، ويعقدون ندوات لملاحقة الفاسدين. وهم محاطون بمسلحين ويأخذون الإتاوات والضرائب غير القانونية من أصحاب المحلات ويهددون المواطنين ويتهمونهم، وأثناء الشدائد يتركون ساحات القتال ويهربون ويبيعون أسلحتهم في السوق السوداء”.

رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، وعد غير مرة بمكافحة الفساد، إلا أن شيئا لم يتغير، حتى بدأ مواطنوه بالفرار من سلطته، وحتى بدأت أربيل تغرق.

التوقعات تشير إلى أن الفيضانات سوف تزداد، مع سقوط المزيد من الأمطار خلال هذا الموسم. والمدينة التي تحولت شوارعها إلى مستنقعات موحلة، إنما تعكس السبب الذي جعل كردستان العراق إقليما يهرب منه مواطنوه.

الإقطاع السياسي الذي عجز عن أن يفهم معنى العلاقة بين سلطة وشعب، والذي ينهب الأموال ويرسلها الى الخارج، كتعبير عن عدم الثقة بالإقليم وبشعبه، لا يملك وسائل الفهم، ولا إرادته. وهو مثلما اختار أن يقيم علاقة مع “المركز” تدفع الى تخريب العراق وبقاء نظام الفساد فيه، أملا بأن يؤدي ذلك إلى تبرير الانفصال عنه، فإنه لم يدرك أن ما يقوم على نوازع الشر، لا يصنع خيرا لأحد.

ولقد تواطأ إقطاعيو كردستان، مع أعتى الفاسدين في حكومات العراق، ليس لدفع العراق إلى الدمار فحسب، ولكن أيضا لكي يتوافق مع أسوأ ما في أنفسهم من إرادة الشر، حتى غرقت أربيل بها بالذات.

الطوفان آت.

العرب اللندينة 




مواضيع ساخنة اخرى

أبشروا.. خبير فيروسات يتنبأ بموعد انتهاء جائحة كورونا
أبشروا.. خبير فيروسات يتنبأ بموعد انتهاء جائحة كورونا
فنانة سورية تشكو الفقر وتعلق : ” أعيش على المساعدات “ .. بالفيديو
فنانة سورية تشكو الفقر وتعلق : ” أعيش على المساعدات “ .. بالفيديو
بسبب كلمة مسيئة ضده.. كيم يجمع عينات خطوط آلاف الكوريين للوصول للفاعل
بسبب كلمة مسيئة ضده.. كيم يجمع عينات خطوط آلاف الكوريين للوصول للفاعل
بالصور.. فتاة كادت تفقد بصرها بسبب صبغ حاجبيها ورموشها
بالصور.. فتاة كادت تفقد بصرها بسبب صبغ حاجبيها ورموشها
مترجم سابق للجيش الأمريكي: الرواية الأمريكية عن اعتقال صدام في حفرة كاذبة
مترجم سابق للجيش الأمريكي: الرواية الأمريكية عن اعتقال صدام في حفرة كاذبة
وسط مركز تسوّق روسي .. شاهد كيف انتقم موظف غاضب من مديره (فيديو)
وسط مركز تسوّق روسي .. شاهد كيف انتقم موظف غاضب من مديره (فيديو)
أنباء عن رفض حمدوك وساطات لثنيه عن الاستقالة والبرهان يدعو الجميع لمراجعات سياسية
أنباء عن رفض حمدوك وساطات لثنيه عن الاستقالة والبرهان يدعو الجميع لمراجعات سياسية
الأمم المتحدة: طالبان نفذت 72 إعداما "خارج نطاق القضاء"
الأمم المتحدة: طالبان نفذت 72 إعداما "خارج نطاق القضاء"
مصادر أوروبيّة: إيران قبلت بالعودة إلى نصوص حزيران الماضي في فيينا
مصادر أوروبيّة: إيران قبلت بالعودة إلى نصوص حزيران الماضي في فيينا
التحالف: تدمير مسيرة مفخخة أطلقها الحوثي نحو خميس مشيط
التحالف: تدمير مسيرة مفخخة أطلقها الحوثي نحو خميس مشيط
أردوغان: تركيا أكبر من أن تصبح أسيرة لأي تعصب إيديولوجي
أردوغان: تركيا أكبر من أن تصبح أسيرة لأي تعصب إيديولوجي
السودان.. محادثات جارية و"لا اتفاق" بين حمدوك والجيش بعد
السودان.. محادثات جارية و"لا اتفاق" بين حمدوك والجيش بعد
السعودية والبحرين تطلبان مغادرة السفير اللبناني لديهما
السعودية والبحرين تطلبان مغادرة السفير اللبناني لديهما
لافروف وغريفيث يبحثان الأوضاع في أفغانستان وسوريا
لافروف وغريفيث يبحثان الأوضاع في أفغانستان وسوريا
موقوفون يريدون عزل نائب مرشد الإخوان.. منير: من يسهم بهذا يخرج نفسه من الجماعة
موقوفون يريدون عزل نائب مرشد الإخوان.. منير: من يسهم بهذا يخرج نفسه من الجماعة
مجموعة السبع: طالبان ستحاسب على أفعالها
مجموعة السبع: طالبان ستحاسب على أفعالها
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

انتصارات اليمن واختطاف السفينة الاماراتية


اقرأ المزيد