Date : 25,01,2022, Time : 06:23:17 AM
1950 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: السبت 21 ربيع الثاني 1443هـ - 27 نوفمبر 2021م 12:49 ص

عن المسلسل السوداني

عن المسلسل السوداني
عبد الحليم قنديل

ربما لن يكون اتفاق البرهان وحمدوك نقطة نهاية لأحداث المسلسل السياسي السوداني، فالقصة أكبر من تداول أو شراكة السلطة بين المدنيين والعسكريين، وأكبر مما يقال عنه مجازا «مليونيات» الجماهير السودانية الأخيرة، التي شارك فيها عشرات الآلاف من شباب السودان و»كنداكاته» وأبدوا بسالة وصمودا نادري النظير، وسقط منهم عشرات الشهداء والشهيدات، فوق مئات سبقوا وسبقن للشهادة في شهور الثورة قبلها، وعلى أمل العبور إلى ختام مدني مستقر لنظام الحكم، وإلى كسب الحرية والسلام والعدالة، وإلى غيرها من مطامح ثورة ديسمبر الشعبية أواخر 2018، التي أطاحت بسلطة الجنرال البشير و»كيزانه» بعد ثلاثين سنة من الاستبداد الدموي.
وفي حسابات اللحظة الحاضرة، يبدو الجنرال عبد الفتاح البرهان كأنه انتصر، فقد كان قائد الجيش قد استولى على السلطة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021، وتعرض لضغوط هائلة من أمريكا والدول الغربية، ومن مظاهرات توالت في الشارع السوداني، ألحت كلها على إعادة عبدالله حمدوك إلى منصبه رئيساً للوزراء، في حين قرر البرهان فرض إقامة جبرية مخففة على حمدوك، لم تمنع تواتر لقاءاته مع جهات دولية وغربية وعربية، إضافة لوساطات ومبادرات وطنية سودانية، انتهت في 21 نوفمبر 2021، إلى إعلان اتفاق سياسي جديد، يحتفظ فيه البرهان برئاسة الدولة ومجلس السيادة الجديد، الذي شكله بقراره المنفرد، وأعطاه حق الإشراف على خطوات المرحلة الانتقالية، حتى إجراء الانتخابات المقررة أواسط 2023، بعد أن كانت مدة رئاسته للمجلس السيادي القديم، شارفت على نهاياتها.

ورغم تأكيد الاتفاق على «الوثيقة الدستورية» التي وقعها البرهان مع قوى الحرية والتغيير في 21 أغسطس 2019، ثم جرى تعديلها في 2020 بعد سلام «جوبا» مع أغلب حركات التمرد المسلح، لكن الاتفاق نص أيضا على تعديل «الوثيقة الدستورية» المتقادمة، وبشراكة أوسع هذه المرة، لا يرد فيها ذكر حصري لتحالف «الحرية والتغيير» الذي قاد الثورة، بل كلام عام عن قطاعات الشباب والنساء «الكنداكات» مع الإدارات الأهلية والطرق الصوفية، وتنظيم حوار واسع، لا يستثني من المشاركة فيه سوى حزب البشير المخلوع، المسجون في «كوبر» شمال الخرطوم، وبهدف تكوين «مجلس تشريعي» و»مؤتمر دستوري» والإعداد للانتخابات، وإلزام حمدوك العائد للصورة، بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة «تكنوقراط» بغير تمثيل ملزم لقوى «الحرية والتغيير» التي توالت انقساماتها قبل وبعد تحرك البرهان العسكري، ما بين جناح «المجلس المركزي» وجناح «الميثاق الوطني» وانشقاق جناح «المجلس المركزي» نفسه، واتجاه عدد متزايد من قادته لدعم اتفاق حمدوك مع البرهان، وتبادل الأطراف لاتهامات التخوين والعمالة، إضافة لدور «تجمع المهنيين» المعارض للكل، وجماعة الأحزاب اليسارية ولجان المقاومة، وقد وجدت نفسها في العراء بعد ما سمته «خيانة حمدوك» وبعد ضياع شعاراتها ولاءاتها عن رفض الشراكة، أو شرعية السلطة، أو التفاوض مع ما سمته الانقلاب العسكري، وبدا التخبط ظاهرا في تآكل الاستجابة لمظاهرات «مليونية» جديدة، فقد استثمر البرهان بذكاء خلافات الأطراف السياسية المدنية، وعجزها البين عن تكوين كتلة متماسكة، ونفور القواعد الشعبية من سيرة الأحزاب عموما، واستكمل البرهان خطته التي بدأها بتحرك 25 أكتوبر، ولم تنته بتوقيع اتفاق 21 نوفمبر، ونقل تبعية حمدوك من وصاية الأحزاب إلى إشراف المجلس العسكري عمليا، وبعناوين تصحيح مسار الثورة، واجتذب إليه تأييد «الحزب الاتحادي» وطائفته الصوفية الختمية، إضافة لقطاعات من «حزب الأمة» وطائفته المهدية، رغم أن دوائر في قيادة حزب الأمة، بالذات من ورثة زعيمه الراحل الصادق المهدي، من نوع السيدة مريم المهدي، التي كانت وزيرة الخارجية في حكومة حمدوك المنحلة، لا تزال تواصل رفضها لما سمته الانقلاب العسكري «المدعوم من مصر» وأطراف أخرى كما قالت، كذا رفضها لاتفاق البرهان مع حمدوك، وقدمت استقالتها بعد فوات الأوان، مع 13 وزيرا آخر من أحزاب «المجلس المركزي» للحرية والتغيير، وربما تكون هذه أعجب مرة في التاريخ، يتقدم فيها وزراء معزولون أصلا باستقالات لا محل لها من الإعراب السياسي، وكأنهم يصرون على إضفاء «مسحة كوميدية» على دراما المسلسل السوداني المتصلة حلقاته.
ورغم نص اتفاق البرهان ـ حمدوك، على ترك تفاصيل العمل التنفيذي الداخلي لحكومة «التكنوقراط» المستقلة عن الأحزاب، وعلى حق حمدوك وحده في تشكيلها، إلا أن الضرورات العملية المباشرة، قد تفرض على حمدوك تشاورا ملزما مع البرهان وقيادة الجيش، فقد تفيد عودة حمدوك في إلغاء عقوبات أمريكا والأطراف الغربية، وكلها لم تصف تحرك البرهان بالانقلاب العسكري، بل بمجرد «الاستيلاء المنفرد على السلطة» وطالبت بعودة شراكة العسكريين والمدنيين، ومن دون ذكر لأحزاب الحرية والتغيير، ولا لانقساماتها المتسلسلة، بعد صدمتها في سعى الرفيق حمدوك للتوافق مع البرهان، مع أن حمدوك لم يدع يوما للثورة على حكم البشير و»كيزانه» الإخوان، وظل معتصما بوظائفه المهنية في هيئات تابعة للأمم المتحدة، وامتنع فقط مرة عن قبول دعوة البشير لتوليته وزيرا للمالية، وهو ما لفت الأنظار إلى خبرته الفنية بعد ثورة الإطاحة بحكم البشير، فهو رجل «تكنوقراط» صرف، يفهم بالبداهة أنه لا سبيل لنجاح واستقرار حكومته، إلا بالتفاهم مع البرهان، الذي يصغر حمدوك بنحو خمس سنوات، ويقود الكتلة المتماسكة الوحيدة تقريبا في السودان الآن، ويحظى بتفاهم أفضل مع حركات التمرد المسلح السابقة في دارفور والجنوب والشرق، ويلتزم بدمجها في «جيش قومي» كما نص الاتفاق، ولديه قبول ظاهر عند قبائل «البجا» المتمردة المهمشة تاريخيا في شرق السودان، وقد بادرت إلى فتح موقوت لميناء «بورسودان» فور تحرك البرهان، وتنتظر التوافق حول اختيار ممثل الشرق في المجلس السيادي الجديد، وكلها مهمات لا يستطيعها حمدوك وحكومته المنتظرة، بغير رعاية وتدخل مؤثر من البرهان وقيادات الجيش، التي تترك لحكومة حمدوك وحدها تحمل عواقب السخط الشعبي الواسع من مضاعفات الأزمة الاقتصادية وضيق المعايش وموجات التضخم والغلاء الفلكي للأسعار.
القصة ـ إذن ـ أكبر من المفاضلات بين حكم المدنيين والعسكريين، وقد توالت دورات الحكم المدني، فالحكم العسكري على السودان منذ إعلان استقلاله في الأول من يناير 1956، ولم يثبت أي منهما جدارة ولا قبولا راسخا، بل كانت انقلابات العسكر تبدأ بتوافق مع أحزاب مدنية، كان انقلاب إبراهيم عبود في 1958 بتوافق مع «حزب الأمة» وكان انقلاب جعفر النميري في 1969 بتوافق مع اليساريين والناصريين، وجرى انقلاب حسن البشير بتوافق وتدبير مع حزب الترابي «الجبهة القومية الإسلامية» وكانت الانقلابات في أوائل سنواتها، توحي بانتظام وتحسين في أحوال المعيشة، كما جرى في أول عهد عبود بقفزة في إنتاج وتصدير القطن، وكما جرى في أول عهد النميري بحل مشكلة الجنوب باتفاق أديس أبابا، وكما جرى في أول عهد البشير، مع إنتاج وتصدير البترول، الذي ضاعت أغلب حقوله بانفصال جنوب السودان نهائيا عام 2011، لكن أزمات الاقتصاد كانت تعود دائما للتجدد، مع مآزق السياسة وخنق الحريات وشيوع الفساد وتكاثر المظالم، وعلى وقع اختناقات الاقتصاد، كانت انتفاضات السودان تتوالى مع تمدد أعمار الانقلابات، من ست سنوات مع الجنرال عبود، وصولا إلى 16 سنة مع الجنرال النميري، وإلى أطولها عمرا تحت حكم الجنرال البشير، فيما أظهر الشعب السوداني حيوية مدهشة في انتفاضاته الكبرى المتباعدة زمنيا أعوام 1964 و1985 و 2019، ولكن من دون توافر فرصة للوصول إلى صيغة حكم يحظى بالرضا الشعبي، فقد نافست فترات الحكم المدني أخواتها العسكريات في السوء، ولأسباب أبعد من انتهازية وفساد وعائلية وطائفية الأحزاب، فالسودان بلد واسع المساحة متنوع الأعراق هائل الموارد الطبيعية، في ما يبدو جهاز الدولة العسكري والمدني متواضعا، وعاجزا عن بسط سيطرته وفرض القبول العام، وهو ما دفع إلى تجريب متكرر متعاقب للحكمين المدني فالعسكري، ومن دون مقدرة على كسر الحلقة الخبيثة المفرغة، ولا الوصول إلى مشهد ختام، مع تغيرات تراكمت تدريجيا، زادت قوة الجيش، بينما ظل جهاز الخدمة المدنية على بؤسه وتكاسله التاريخي، وهو ما قد يقود إلى معادلة سودانية جديدة، وإلى شراكة من نوع مختلف واردة في الأفق المنظور، مع إجراء الانتخابات المقررة في نهاية المرحلة الانتقالية الراهنة، ورغم إعلان نيته الاعتزال وقتها، فقد لا يفاجأ أحد، إذا خلع البرهان بزته العسكرية، وتقدم لانتخابات رئاسة موسعة الصلاحيات، وقد تكون فرصة البرهان عندها أكبر في الفوز، وبالذات مع فراغ تركه رحيل القيادات التاريخية للأحزاب المدنية.

القدس العربي 




مواضيع ساخنة اخرى

أبشروا.. خبير فيروسات يتنبأ بموعد انتهاء جائحة كورونا
أبشروا.. خبير فيروسات يتنبأ بموعد انتهاء جائحة كورونا
فنانة سورية تشكو الفقر وتعلق : ” أعيش على المساعدات “ .. بالفيديو
فنانة سورية تشكو الفقر وتعلق : ” أعيش على المساعدات “ .. بالفيديو
بسبب كلمة مسيئة ضده.. كيم يجمع عينات خطوط آلاف الكوريين للوصول للفاعل
بسبب كلمة مسيئة ضده.. كيم يجمع عينات خطوط آلاف الكوريين للوصول للفاعل
بالصور.. فتاة كادت تفقد بصرها بسبب صبغ حاجبيها ورموشها
بالصور.. فتاة كادت تفقد بصرها بسبب صبغ حاجبيها ورموشها
مترجم سابق للجيش الأمريكي: الرواية الأمريكية عن اعتقال صدام في حفرة كاذبة
مترجم سابق للجيش الأمريكي: الرواية الأمريكية عن اعتقال صدام في حفرة كاذبة
وسط مركز تسوّق روسي .. شاهد كيف انتقم موظف غاضب من مديره (فيديو)
وسط مركز تسوّق روسي .. شاهد كيف انتقم موظف غاضب من مديره (فيديو)
أنباء عن رفض حمدوك وساطات لثنيه عن الاستقالة والبرهان يدعو الجميع لمراجعات سياسية
أنباء عن رفض حمدوك وساطات لثنيه عن الاستقالة والبرهان يدعو الجميع لمراجعات سياسية
الأمم المتحدة: طالبان نفذت 72 إعداما "خارج نطاق القضاء"
الأمم المتحدة: طالبان نفذت 72 إعداما "خارج نطاق القضاء"
مصادر أوروبيّة: إيران قبلت بالعودة إلى نصوص حزيران الماضي في فيينا
مصادر أوروبيّة: إيران قبلت بالعودة إلى نصوص حزيران الماضي في فيينا
التحالف: تدمير مسيرة مفخخة أطلقها الحوثي نحو خميس مشيط
التحالف: تدمير مسيرة مفخخة أطلقها الحوثي نحو خميس مشيط
أردوغان: تركيا أكبر من أن تصبح أسيرة لأي تعصب إيديولوجي
أردوغان: تركيا أكبر من أن تصبح أسيرة لأي تعصب إيديولوجي
السودان.. محادثات جارية و"لا اتفاق" بين حمدوك والجيش بعد
السودان.. محادثات جارية و"لا اتفاق" بين حمدوك والجيش بعد
السعودية والبحرين تطلبان مغادرة السفير اللبناني لديهما
السعودية والبحرين تطلبان مغادرة السفير اللبناني لديهما
لافروف وغريفيث يبحثان الأوضاع في أفغانستان وسوريا
لافروف وغريفيث يبحثان الأوضاع في أفغانستان وسوريا
موقوفون يريدون عزل نائب مرشد الإخوان.. منير: من يسهم بهذا يخرج نفسه من الجماعة
موقوفون يريدون عزل نائب مرشد الإخوان.. منير: من يسهم بهذا يخرج نفسه من الجماعة
مجموعة السبع: طالبان ستحاسب على أفعالها
مجموعة السبع: طالبان ستحاسب على أفعالها
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

الغرب يتوعد روسيا بـ"العقاب" حال غزو أوكرانيا


اقرأ المزيد