Date : 30,11,2021, Time : 08:20:33 PM
4376 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الثلاثاء 12 ربيع الأول 1443هـ - 19 أكتوبر 2021م 12:25 ص

الذاكرة الفرنسية الجزائرية… أنصاف مطالب وأنصاف حلول

الذاكرة الفرنسية الجزائرية… أنصاف مطالب وأنصاف حلول
توفيق رباحي

شيئا فشيئا بدأ النقاش حول موضوع العلاقات التاريخية بين الجزائر وفرنسا يفقد جدواه، لأنه، هنا وهناك، أُدخل في متاهة التوظيف السياسي واللامنطق.
ما يجعل النقاش في فرنسا قليل الجدوى ومطعون في جدّيته، أن البلاد مقبلة على اقتراع رئاسي في الربيع المقبل، فكل النقاش محكوم انتخابيا، وكل المرشحين يغازلون أصوات اليمين (سيكون ناخبو اليمين المتطرف هم العامل الحاسم).
وما يجعل النقاش في الجزائر مثله في فرنسا أن هناك الكثير من الكلام والقليل من الأفعال. الأمر على الجانب الجزائري منحصر في كلام مناسبات محفوف بالغضب والانفعالات، يرتفع مع وجود أزمة، كما هو الحال في هذه الأيام، ثم ينخفض إلى درجة النسيان عندما تختفي الأزمة. الجزائر لا تملك قائمة واضحة ومحددة بما تريد من فرنسا. وإنْ وُجدت هذه القائمة فهي غير معلَنة بوضوح وتفتقد للجرأة والجدية.
الخروج من مربع الضجيج الكثير والفعل القليل يتطلب من الجزائر، كخطوة أولى، إعادة النظر في مقاربتها وتعاطيها مع موضوع الذاكرة. إذا كانت الجزائر تريد فعلا التحرر من الحلقة المفرغة ومن هذا الوضع المتعِب المثقَل بالترسبات التاريخية، يجب عليها أولاأن تحدد ماذا تريد في موضوع العلاقة التاريخية مع فرنسا. ثم عليها أن تُدرك حدود الممكن والمطالبة به، وحدود اللاممكن والحسم هل تمضي في المناورة به، حتى لو بقيَ في دائرة المطالبة دهرا، أم تضعه على الرف وتوجِّه جهدها إلى «الممكن». عليها كذلك أن تستعد لاحتمالات غير سارّة لأن الذاكرة في الحالة الفرنسية الجزائرية طريق ذو اتجاهين، ومن الخطأ انتظار أن يلبي فقط أهواء الجزائر.
أحد عناوين «اللاممكن» موضوع الاعتذار. سيكون من الحكمة، في الجانب الجزائري، الاقتناع بأن فرنسا حاليا، ولأسباب داخلية سياسية واجتماعية ومعنوية، في حاجة إلى معجزة تاريخية كي تعتذر عن جرائمها في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية. أقصى ما يمكن أن تمضي إليه فرنسا هو هذه الاعترافات المُجزَّأة التي يلجأ إليها الرئيس ماكرون بـ«القطَّارة» وآخر حلقة فيها الذكرى الستين لجرائم السابع عشر تشرين الأول (أكتوبر) 1961. شكَّل إحياء هذه الذكرى المشؤومة السبت الماضي آخر قطعة من لعبة أنصاف الحلول. إذ إضافة إلى اكتفائه بالاعتراف بأن ما حدث كان «جرائم غير مبررة» لم يُلق ماكرون كلمة، وفضَّل مكتبه الاكتفاء ببيان ورد في لغة غير صريحة مبنية للمجهول في معظمها، ولم تجرؤ على ذكر الضحايا بصراحة، كأنهم بلا هوية ولا جنسية ولا انتماء. إضافة إلى تحميل محافظ شرطة باريس آنذاك، موريس بابون، وحده مسؤولية تلك المذبحة، بينما يتعلق الأمر بجريمة دولة يتحمل مسؤوليتها رأس الدولة ومؤسساتها. كما تجاهل ماكرون الأسباب التي دعت الجزائريين يومها إلى التظاهر، وأبرزها الاحتجاج على حظر تجوال ليلي فُرض على الجزائريين وحدهم دونًا عن كل سكان باريس، في قرار عنصري مقيت تتحمل مسؤوليته الدولة الفرنسية ومؤسساتها.

من المهم الإقرار بجرأة ماكرون وبأنه لا يوجد رئيس فرنسي آخر ذهب شخصيا إلى حد المشاركة في فعاليات الذكرى في مسرح الجريمة (جسر بيزون في المدخل الشمالي للعاصمة باريس يوم السبت). فعلها ماكرون لأنه يعتبر نفسه في حِلّ من الماضي الاستعماري وينتمي إلى جيل يريد التحرر من وزر التاريخ الجزائري الفرنسي. ورغم أنها أنصاف اعترافات بجرائم بلاده بحق الجزائريين، ليس مستبعدا أن يدفع ماكرون الثمن في الانتخابات المقبلة، لأن في فرنسا لوبيات تعيش على «ذاكرة ريعية» مجزية اسمها الجزائر. تتوزع هذه اللوبيات بين سياسيي أقصى اليمين وقدماء المحاربين من جنود وضباط نظاميين، وأبناء وورثة المستوطنين الفرنسيين في الجزائر الذين كانوا يُسمَّون «الأقدام السوداء» ثم «الحَرْكى» الجزائريين ويهود الجزائر. هؤلاء جميعا يضغطون، كلٌّ من زاويته ووفق مصلحته. عندما تجتمع هذه الضغوط في بوتقة واحدة تصبح مخيفة سياسيا وانتخابيا. ولعل هذا من الأسباب التي جعلت ماكرون يكتفي بأنصاف الاعترافات وبالخطوات المنقوصة.
الاعتذار، إنْ صدر، سيسحب موضوع الذاكرة من النقاش السياسي والانتخابي في فرنسا، ويحرم تجار وسماسرة التاريخ هناك من ورقة هامة. وهذا سبب آخر يجعل الاعتذار أكثر بُعدًا، فماذا يريد الجزائريون أكثر لييقنوا أن فرنسا لن تعتذر، رغم أهمية الاعتذار ورمزيته؟
في الجزائر أيضا سيطوي الاعتذار الفرنسي، إنْ صدر، ملفا تاجَرَ به كثيرون ووظفوه سياسيا أيَّما توظيف.
يحتاج الجزائريون إلى الوثوق في أن ثورتهم لقّنت الفرنسيين دروسا في التضحية والتصميم، وفي الذهاب بعيدا من أجل الاستقلال مهما كلّف الأمر من ثمن (مفاوضات إيفيان امتدت قرابة سنتين إضافيتين كلَّفتا المجتمع الجزائري الكثير من التضحيات، بسبب مستقبل الصحراء وحده). عندما تترسخ هذه القناعة لديهم، يتراجع الكلام عن الاعتذار ليختفي كما كان مختفيا في العقود التي تلت الاستقلال، ويصبح قضية فرنسية لأن الجزائر، وبكل موضوعية، لا تحتاج اعتذارا.
الاعتذار، في المطلق، فعل سامٍ يصدر عن صاحبه اعترافا وإيمانا، ولا يُنتزع منه أو يصدر اضطرارا أو تحت الضغط والخوف. في الوقت الحالي، لا فرنسا بلغت من السمو مرتبة تؤهلها إلى الاعتذار بصدق وإيمان، ولا الجزائر قادرة على إجبارها على الاعتذار. فأيّ جدوى من النقاش في الجزائر وفي فرنسا عن قيمة لا أحد من الطرفين بلغها ذهنيا وسياسيا؟

القدس العربي 




مواضيع ساخنة اخرى

التحالف: تدمير مسيرة مفخخة أطلقها الحوثي نحو خميس مشيط
التحالف: تدمير مسيرة مفخخة أطلقها الحوثي نحو خميس مشيط
أردوغان: تركيا أكبر من أن تصبح أسيرة لأي تعصب إيديولوجي
أردوغان: تركيا أكبر من أن تصبح أسيرة لأي تعصب إيديولوجي
السودان.. محادثات جارية و"لا اتفاق" بين حمدوك والجيش بعد
السودان.. محادثات جارية و"لا اتفاق" بين حمدوك والجيش بعد
السعودية والبحرين تطلبان مغادرة السفير اللبناني لديهما
السعودية والبحرين تطلبان مغادرة السفير اللبناني لديهما
لافروف وغريفيث يبحثان الأوضاع في أفغانستان وسوريا
لافروف وغريفيث يبحثان الأوضاع في أفغانستان وسوريا
موقوفون يريدون عزل نائب مرشد الإخوان.. منير: من يسهم بهذا يخرج نفسه من الجماعة
موقوفون يريدون عزل نائب مرشد الإخوان.. منير: من يسهم بهذا يخرج نفسه من الجماعة
مجموعة السبع: طالبان ستحاسب على أفعالها
مجموعة السبع: طالبان ستحاسب على أفعالها
أفغانستان.. ضبط الأمن بمطار كابل وتفرقة الحشود واستئناف الرحلات
أفغانستان.. ضبط الأمن بمطار كابل وتفرقة الحشود واستئناف الرحلات
صادم.. سقوط أفغان من طائرة إجلاء أمريكية بعد إقلاعها (شاهد)
صادم.. سقوط أفغان من طائرة إجلاء أمريكية بعد إقلاعها (شاهد)
فرنسا تدعو لتعيين رئيس وزراء في تونس "بسرعة"
فرنسا تدعو لتعيين رئيس وزراء في تونس "بسرعة"
مصر .. الأمن يبحث عن "فتاة الهوهوز"
مصر .. الأمن يبحث عن "فتاة الهوهوز"
إيران: لن نفاوض على ما هو أبعد من النووي
إيران: لن نفاوض على ما هو أبعد من النووي
القرصنة الإلكترونية: هجوم إلكتروني "موسع" يطال نحو 200 شركة أمريكية
القرصنة الإلكترونية: هجوم إلكتروني "موسع" يطال نحو 200 شركة أمريكية
الطريقة الصحيحة لإنقاص الوزن.. نصيحة من خبير روسي
الطريقة الصحيحة لإنقاص الوزن.. نصيحة من خبير روسي
مستوطنون يدعون لاقتحام الأقصى غدا ومقدسيون يتوعدون
مستوطنون يدعون لاقتحام الأقصى غدا ومقدسيون يتوعدون
بايدن: لا سلام إلى أن تعترف منطقة الشرق الأوسط بحق إسرائيل في الوجود
بايدن: لا سلام إلى أن تعترف منطقة الشرق الأوسط بحق إسرائيل في الوجود
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

التحالف: خسائر الحوثي تجاوزت الـ 90 عنصراً في مأرب


اقرأ المزيد

سمير جعجع: حزب الله وحلفاؤه يعملون على تأجيل الانتخابات البرلمانية المقررة 2022