Date : 06,12,2021, Time : 08:34:40 PM
3703 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: السبت 09 ربيع الأول 1443هـ - 16 أكتوبر 2021م 12:40 ص

أميركا وأوروبا وبينهما «الناتو»

أميركا وأوروبا وبينهما «الناتو»
عبد الرحمن شلقم

القارة العجوز، لا يزال هذا العنوان معلقاً في رقبة القارة الأوروبية، إذ هناك أوروبا جديدة شابة وهي الولايات المتحدة الأميركية الوليدة الشابة لأمها أوروبا القديمة. الأوروبيون اكتشفوا الدنيا الجديدة وتدفقوا نحوها يحملون معهم أديانهم وثقافتهم وقوتهم وعلمهم وفلسفتهم، وصنعوا كيانهم الجديد الولايات المتحدة.
الحبل السري الرابط بين القارتين القديمة والجديدة لم ينقطع قط، وإن تغير طوله وقوته عبر الزمان وتطوراته في سلمه وحربه واقتصاده وسياساته وتحالفاته. هيمنت فرنسا وبريطانيا على العالم بقوتيهما العسكريتين عبر مشروعيهما الاستعماريين الواسعين، لكن الحرب العالمية الأولى أعادت ترتيب معادلات القوة العالمية، إثر قيام دولة الاتحاد السوفياتي الشيوعية وتدخل الولايات المتحدة عسكرياً لأول مرة في أوروبا، وبدأت الهيمنة الفرنسية والبريطانية يضعف عودها وتقر بنمو الريادة الأميركية. الحرب العالمية الثانية فتحت أبواب الدنيا على عصر جديد. أرادت ألمانيا النازية أن تعيد خارطة القوة في أوروبا واحتلت فرنسا وهدَّدت بريطانيا التي بقيت لوحدها تواجه النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، وأصبح انتصار هتلر مسألة وقت. تدخلت الولايات المتحدة بقواتها العسكرية الهائلة، وقادت مع القوات السوفياتية معركة الهزيمة الماحقة للنازية الألمانية. هيمنت أميركا على غرب أوروبا، في حين سيطر الاتحاد السوفياتي على شرقها.
خارطة قوة عالمية جديدة ولدت من رحم الحرب العالمية الثانية، وقامت كل واحدة من القوتين بتكريس منهجها السياسي في الجزء الذي سيطرت عليه من القارة العجوز، الغرب الديمقراطي، حيث تعدد الأحزاب وفتح الأبواب للنشاط السياسي واقتصاد السوق، في حين صار النظام الشيوعي القائم على حكم الحزب الواحد التابع لموسكو، المتحكم في دول الشرق. مشروع أميركا الذي عُرف بمشروع مارشال لإعادة إعمار بلدان أوروبا الغربية وتأسيس كيانها الاقتصادي الرأسمالي والصناعي، كان خيوط الحبل السري الجديد الذي ربط بين الجزء الغربي من القارة العجوز والقوة القارية والعالمية الجديدة، الولايات المتحدة. دول غرب أوروبا التي خرجت من الحرب العالمية الثانية شبه مدمرة بالكامل، استقبلت الوجود العسكري الأميركي على أراضيها طائعة وسلمت بالتبعية السياسية لواشنطن بما فيها الإمبراطوريتان السابقتان فرنسا وبريطانيا.
الولايات المتحدة القوة الجديدة الأعظم، وجدت نفسها أمام عدو آخر له قوة عسكرية وآيديولوجية عابرة للحدود تستهدف التمدد في كل الدنيا، فأسست ذراعاً عسكرية لمواجهة المشروع السوفياتي، حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وصارت أوروبا رهينة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً للولايات المتحدة الأميركية.
تأسست أحزاب شيوعية في غرب أوروبا وكبرت بسرعة وارتبطت بموسكو مباشرة وتصاعد تأثيرها السياسي والنقابي، وأدركت دول أوروبا الغربية أنها أصبحت رهين القوتين العظميين في موسكو وواشنطن. شرع السياسيون في دول أوروبا الغربية في البحث عن رابط خاص يضمها في إطار اقتصادي ويوفر لها هوية تعاون في ميدان الصناعة التي تشكل الرافعة الأساسية لقوتها الاقتصادية، ويبني جسراً بينها يزداد اتساعاً وطولاً ويفتح أبواباً لتقارب سياسي واجتماعي في المستقبل. الجماعة الأوروبية للفحم والحديد والصلب (ecsc) تأسست رسمياً سنة 1951، بموجب معاهدة باريس التي وقعت عليها بلجيكا، وفرنسا، وإيطاليا، ولوكسمبرغ، وهولندا، وألمانيا الغربية، وكانت أول منظمة دولية تقوم على مبدأ الوحدة فوق الوطنية. هذه المعاهدة التأسيسية ظلت العقل الذي يحرك أوروبا نحو التعاون والتكامل الذي توج بقيام الاتحاد الأوروبي مروراً بالسوق الأوروبية المشتركة. كانت فرنسا الدولة التي لها حاسة سياسية تستشعر دبيب الهيمنة الأميركية والسوفياتية على القارة الأوروبية وتعمل بهدوء على تخليق كيان أوروبي يصلب تماسك القارة ويجعل لها درعاً مقاوماً للتبعية للشرق السوفياتي أو للولايات المتحدة الأميركية.
نجحت أوروبا في إقامة اتحاد اقتصادي كونفدرالي تحت اسم الاتحاد الأوروبي، وتحوّلت القارة كلها شرقها وغربها إلى كيان اقتصادي واحد تتحرك فيه شعوبها بحرية ولها عملة واحدة ومصرف مركزي وبرلمان ومجموعة تنفيذية، وحافظت كل دولة على كيانها الوطني بحكومته وبرلمانه وجيشه ومنظومة أمنه. رغم ذلك بقي سؤال الدفاع عن الاتحاد دون إجابة، أو لنقل إنه ظل مرتبطاً بتكوين عسكري هو حلف «الناتو» الذي جمع دول أوروبا الغربية مع الولايات المتحدة في بداية الحرب الباردة بين كتلتي الشرق والغرب، وقابله حلف وارسو الذي جمع الدول الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفياتي. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وخروج دول أوروبا الشرقية من تحت مظلته وزوال حلف وارسو أصبح السؤال، مَن هو العدو الذي سيواجهه حلف الناتو؟ وهل ستبقى أميركا هي القائد والآمر للحلف تحركه بقرار منها؟ هي التي تدفع النصيب الأكبر في ميزانية الحلف وتنشر جنودها وقواعدها في أراضي أوروبا. خارطة الأعداء تغيرت في الاستراتيجية الأميركية، وصارت الصين هي التي تُوجه لها قرون الاستشعار العدائية السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية الأميركية.
أوروبا الجديدة في اتحادها الاقتصادي الكونفدرالي الكبير القوي، شبَّت على طوق الهيمنة الأميركية، وصار لها أقلامها وأوراقها الخاصة التي ترسم عليها خرائط حساباتها وخياراتها. الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خاطب أوروبا بلغة الوعيد، وطلب منها أن تدفع أكثر في ميزانية حلف «الناتو» وأن تأتمر بأمره في سياساتها الخارجية. بدأ الخلاف بين الجانبين. أوروبا لا ترى في الصين عدواً يهددها بأي شكل من الأشكال، بل ترى فيها شريكاً اقتصادياً حيوياً مهماً، فهي السوق والمصنع الأكبر في العالم، أما روسيا اليوم كما يراها الاتحاد الأوروبي فهي ليست الاتحاد السوفياتي ويمكن التعاون معها اقتصادياً وأمنياً رغم الخلاف، بل والعراك في بعض المحطات الأمنية، وكذلك في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها من القضايا.
أوكرانيا حلبة صراع بين روسيا وأميركا، لكن الاتحاد الأوروبي له مقاربته الخاصة للخلاف الروسي الأوكراني. تراجع الإقرار المطلق بقيادة الولايات المتحدة لحلف «الناتو»، ومراجعة هذا الأمر لم تعد سراً أو همساً في دوائر السياسة الأوروبية، خاصة بعد الغزو الأميركي للعراق الذي لم تستشر فيه أوروبا، بل اندفعت منفردة وأمرت دول الحلف باللحاق بها رغم اعتراض فرنسا، وانفردت الولايات المتحدة الأميركية بتشكيل النظام العراقي بعد سيطرتها العسكرية على كامل الدولة العراقية. ذات الشيء حدث في أفغانستان من البداية إلى النهاية. أوروبا لحقت قواتها بالجيش الأميركي الذي هاجم أفغانستان بعد الهجوم على برجي نيويورك من قِبل عناصر «القاعدة» التي تقيم قيادتها في أفغانستان، وعندما قررت الولايات المتحدة الانسحاب من البلاد التي تمركزت فيها القوات الأميركية ومعها قوات «الناتو» على مدى عشرين سنة، لم تستشر شركاءها أعضاء حلف «الناتو»، ووجدت الدول الأوروبية نفسها مرغمة على قبول عشرات الآلاف من الأفغان الفارين من بلادهم بعد سيطرة «طالبان» على أفغانستان.
لقد تراكم تراب الخلاف بين الطرفين الأميركي والأوروبي ويزداد ثقلاً من دون توقف حول مسألتي الأمن والدفاع، وصار مستقبل حلف «الناتو» سؤالاً مطروحاً بقوة في الدوائر السياسية الأوروبية.

الشرق الاوسط 




مواضيع ساخنة اخرى

التحالف: تدمير مسيرة مفخخة أطلقها الحوثي نحو خميس مشيط
التحالف: تدمير مسيرة مفخخة أطلقها الحوثي نحو خميس مشيط
أردوغان: تركيا أكبر من أن تصبح أسيرة لأي تعصب إيديولوجي
أردوغان: تركيا أكبر من أن تصبح أسيرة لأي تعصب إيديولوجي
السودان.. محادثات جارية و"لا اتفاق" بين حمدوك والجيش بعد
السودان.. محادثات جارية و"لا اتفاق" بين حمدوك والجيش بعد
السعودية والبحرين تطلبان مغادرة السفير اللبناني لديهما
السعودية والبحرين تطلبان مغادرة السفير اللبناني لديهما
لافروف وغريفيث يبحثان الأوضاع في أفغانستان وسوريا
لافروف وغريفيث يبحثان الأوضاع في أفغانستان وسوريا
موقوفون يريدون عزل نائب مرشد الإخوان.. منير: من يسهم بهذا يخرج نفسه من الجماعة
موقوفون يريدون عزل نائب مرشد الإخوان.. منير: من يسهم بهذا يخرج نفسه من الجماعة
مجموعة السبع: طالبان ستحاسب على أفعالها
مجموعة السبع: طالبان ستحاسب على أفعالها
أفغانستان.. ضبط الأمن بمطار كابل وتفرقة الحشود واستئناف الرحلات
أفغانستان.. ضبط الأمن بمطار كابل وتفرقة الحشود واستئناف الرحلات
صادم.. سقوط أفغان من طائرة إجلاء أمريكية بعد إقلاعها (شاهد)
صادم.. سقوط أفغان من طائرة إجلاء أمريكية بعد إقلاعها (شاهد)
فرنسا تدعو لتعيين رئيس وزراء في تونس "بسرعة"
فرنسا تدعو لتعيين رئيس وزراء في تونس "بسرعة"
مصر .. الأمن يبحث عن "فتاة الهوهوز"
مصر .. الأمن يبحث عن "فتاة الهوهوز"
إيران: لن نفاوض على ما هو أبعد من النووي
إيران: لن نفاوض على ما هو أبعد من النووي
القرصنة الإلكترونية: هجوم إلكتروني "موسع" يطال نحو 200 شركة أمريكية
القرصنة الإلكترونية: هجوم إلكتروني "موسع" يطال نحو 200 شركة أمريكية
الطريقة الصحيحة لإنقاص الوزن.. نصيحة من خبير روسي
الطريقة الصحيحة لإنقاص الوزن.. نصيحة من خبير روسي
مستوطنون يدعون لاقتحام الأقصى غدا ومقدسيون يتوعدون
مستوطنون يدعون لاقتحام الأقصى غدا ومقدسيون يتوعدون
بايدن: لا سلام إلى أن تعترف منطقة الشرق الأوسط بحق إسرائيل في الوجود
بايدن: لا سلام إلى أن تعترف منطقة الشرق الأوسط بحق إسرائيل في الوجود
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

مصير مفاوضات فيينا والملف النووي


اقرأ المزيد

البيت الأبيض: مكالمة الرئيسين بايدن وبوتين ستكون مناسبة لإظهار الدعم الأمريكي لأوكرانيا