Date : 26,02,2021, Time : 03:45:26 AM
6272 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الثلاثاء 04 رجب 1442هـ - 16 فبراير 2021م 12:53 ص

التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر: نريد كلاما أقل وأفعالا أكثر

التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر: نريد كلاما أقل وأفعالا أكثر
توفيق رباحي

صادف السبت الماضي، 13 شباط (فبراير) الذكرى 61 لتفجير فرنسا الاستعمارية أول قنبلة ذرية لها. اختارت فرنسا الصحراء الجزائرية لتنفيذ التفجير الذي أدخلها نادي الدول النووية وفتح شهيتها للمزيد، ففجّرت بين ذلك التاريخ ونهاية سنة 1966، 16 قنبلة ذرية أخرى بين رقّان وعين إكر بأعماق الصحراء الجزائرية.
تكشف وثائق بحوزة نشطاء مناهضين للتجارب النووية، أن تفجير شباط (فبراير) 1960، المعروف باسم «اليربوع الأزرق» تجاوزت قوته ثلاثة أضعاف قنبلة هيروشيما. وبلغت إشعاعاته تشاد شرقا فلوَّثت مياه العاصمة نجامينا. كما بلغت الإشعاعات سواحل إسبانيا وصقلية شمالا، ودول وسط إفريقيا جنوبا. وتفيد كذلك أن ما لا يقل عن 40 ألف جزائري، بين رُحّل وسكان ثابتون، كانوا يعيشون في مساحة قطرها 200 كلم تحيط بموقع التفجير. لم يُعوَّض من أولئك السكان سوى واحد.
كل التفجيرات («التجارب» في لغتهم السياسية المهذّبة) منذ الاستقلال إلى غاية 1966 تمت بعلم السلطات الجزائرية وموافقتها، لأنها وردت ضمن بنود اتفاقية إيفيان التي استقلت بموجبها الجزائر.
هناك أيضا موقع استعماري آخر في منطقة وادي الناموس بولاية بشّار في أقصى جنوب غرب الجزائر، حافظ على نشاطه الكيميائي (المحظور) إلى غاية 1978. لكن السلطات الجزائرية والفرنسية أخفتا أمره عن الرأي العام إلى غاية سنة 1997 عندما كشفت وجوده مجلة «نوفيل أوبسيرفاتور» الفرنسية. بينما قال رشيد بن يلس، الجنرال المتقاعد من الجيش الجزائري، إن هذه المنشأة توقفت عن النشاط سنة 1986. موضوع التفجيرات يسمّم العلاقات الجزائرية الفرنسية، ويلقي بسحابة داكنة على ما يسمى «ملف الذاكرة» بين البلدين. في فرنسا يحضر إعلاميا باستمرار، لكن بتجرد كبير وحياد سلبي ملحوظ. في الجزائر يغيب، ثم يحضر مناسباتيا بكثير من العاطفة، لكن دون أن يقطع خطوة واحدة نحو الأمام. يتكلم الجزائريون كثيرا في موضوع التفجيرات هذا، ويفعلون القليل أو لا يفعلون شيئا. رغم خطورته والغموض الذي يلفه، يمكن أن يكون هذا الموضوع الأقل استعصاءً على الحل بين كل ملفات «الذاكرة». سهولته تكمن في كونه يقوم على وقائع ليس من حولها اختلاف حاد أو معقّد. يكفي امتلاك شجاعة الاعتراف بها ثم البدء بحصرها وطَرق أساليب معالجتها.

من المؤكد أن فرنسا، مثل أيّ قوة استعمارية سابقة، لن تستجدي الجزائريين لفتح هذا الملف بسبب ما يتبعه من إحراج وأسئلة قد تنتهي إلى مساءلة جنائية وأخلاقية وسياسية. الكرة، إذًا، في ملعب الجزائريين. يحتاجون لتحريكها إلى شجاعة الاعتراف بأن اتفاقية إيفيان لم تكن «ملائكية» وأنها قيّدت سلطات الاستقلال وأبقت على «تجارب» الأسلحة المحظورة. (يمكن التماس الأعذار للوفد المفاوض في إيفيان بالنظر إلى الضغوط الكبرى والآمال الكثيرة المحيطة بمهمته آنذاك، وبالنظر إلى استعجاله انتزاع الاستقلال ولو بالإبقاء على الشيطان في التفاصيل. من ذلك أن موافقته على التفجيرات النووية لم تُرفق بأي التزامات تُحمّل فرنسا التبعات الصحية والبيئية وغيرها). يتضمن هذا الموضوع أكثر من عنوان. أبرز ما يحتاج إلى معالجة عاجلة، النفايات المشعّة التي دفنتها فرنسا في الصحراء الجزائرية. وكذلك العتاد المستعمَل لدراسة نتائج «التجربة» الذرية من حوامات وعربات وأدوات أخرى كلّها مشعّة تخلصت منها فرنسا بطمرها في الصحراء رمال. يضاف إلى هذا تكتم فرنسا على أرشيف تلك «التجارب» والخرائط (مؤرخون وسياسيون يقولون إنها تعمدت التخلص من بعضها) ما سيعرقل بدء أعمال التخلص من بقايا تلك «التجارب».
التعنت الفرنسي في هذا الموضوع، الذي أتفهمه لو كنت مسؤولا حكوميا فرنسيا، يقابله تخاذل جزائري أو كسل. والنتيجة واحدة: بقاء مظلومية تاريخية كبرى بلا حل يدفع ضحاياها إلى اليوم ثمنا باهظا من صحتهم البدنية والمعنوية. هناك طريقتان لمعالجة هذا الموضوع والانتهاء منه بشكل منصف يعيد الحقوق لأصحابها: سلاح الإقناع، وسلاح المواجهة.
يجب مواجهة فرنسا اليوم بما ارتكبته فرنسا الاستعمارية، والضغط عليها من أجل التوصل إلى تسوية. يتطلب هذا الطريق القدرة على الإقناع والاستعداد لمعركة دبلوماسية طويلة النفس ومضنية ومكلفة. هي معركة تحتاج إلى شجاعة سياسية استثنائية، لكنها تحتمل النجاح وتستحق عناء خوضها بالنظر إلى عدالة المطلب وحلاوة ثمرة النصر عندما يتحقق.
ويتطلب الأمر، في المقابل، حدًا أدنى من الاستعداد لدى الفرنسيين. لقد برزت بعض ملامح هذا الاستعداد في اتفاق بقيَ طي الكتمان، بين الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة ونظيره الفرنسي فرانسوا أولاند في 2012، على أن تقوم فرنسا بتنظيف منشأة وادي الناموس (بشّار) من التلوث الكيميائي.
هناك طريق ثانٍ يمليه فشل الأول. إصرار فرنسا على التهرب من مسؤوليتها يترك الجزائريين أمام خيار التدويل من خلال التوجه إلى المحاكم الدولية والمجتمع المدني العالمي. لن يروق المسعى الجزائري لفرنسا وقد ينزل بالعلاقات معها إلى درك أسفل، لكنه سيلقى حتما الكثير من الدعم الدبلوماسي والأهلي في الأوساط الناشطة والهيئات المناهضة للاستعمار ولانتشار الأسلحة المحظورة.
مرة أخرى يحتاج الأمر إلى عمل عميق وممنهج ومنظم ترعاه سلطة جادة ويشترك فيه المؤرخون والعلماء والخبراء القانونيون والدبلوماسيون وشركات العلاقات العامة. صعوبة هذا العمل ألّا مساحة فيه للأخطاء ولا مكان للارتجال. وميزته أن فرص نجاحه قوية.
في كل الأحوال وأيًّا كان الطريق، يحتاج الأمر إلى قرار سيادي وإصرار على المضي فيه. يحتاج، أكثر من أي شيء آخر، إلى جرأة وشجاعة أتساءل هل متوفرة حاليا في الجزائر. ويحتاج إلى استعداد لتحمل تبعاته ومنها غضب المستعمِر السابق وحلفائه.
لكن مرة أخرى، المعركة تستحق عناء خوضها. الجزائريون جميعا، وعلى رأسهم ضحايا تلك التفجيرات المشؤومة، يستحقون قليلا من العدالة والتعويض المادي والمعنوي، ومن خلاله شيئا من الكرامة المهدورة. غير أن الإنصاف والعدالة لا يتحققان بالارتجال وحديث المناسبات الذي يُطرح به الموضوع في الجزائر لحد الآن.

القدس العربي




مواضيع ساخنة اخرى

  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

الإرياني: تصعيد الحوثي تنفيذ لإملاءات إيران لتقويض الحل السلمي .. فيديو


اقرأ المزيد