Date : 03,03,2021, Time : 07:26:17 AM
4166 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الخميس 28 جمادي الآخر 1442هـ - 11 فبراير 2021م 01:15 ص

الجزائر وفرنسا: ذلك الماضي الذي لا يراد له أن يمضي

الجزائر وفرنسا: ذلك الماضي الذي لا يراد له أن يمضي
حميد زناز

لم يحدث ما كان منتظرا منذ استقلال الجزائر سنة 1962. لم تنته أزمة الذاكرة الجريحة بتجدد النخب السياسية والثقافية ووصول أجيال جديدة لم تعش الحرب في فرنسا إلى الحكم. في الجزائر لا يزال جيل الثورة هو المسيطر على الحكم باسم الشرعية الثورية.

ومع ذلك لا يمكن نفي بعض المحاولات الجريئة من الجانب الفرنسي كاعتراف السفراء الفرنسيين في الجزائر بمجازر 8 مايو 1945 في الشرق الجزائري وتصريحات الرئيس السابق فرانسوا هولاند الإيجابية بمناسبة إحياء ذكرى خمسينية أحداث 17 أكتوبر 1961 التي راح ضحيتها العشرات من الجزائريين برصاص الشرطة الفرنسية. وكذلك إرجاع رفات جزائريين مقاومين للاستعمار إلى الدولة الجزائرية في المدة الأخيرة، كانت في متحف الإنسان بباريس. أما أهم حدث في موضوع الذاكرة بين الشعبين فهو تصريح الرئيس إيمانويل ماكرون لما كان مرشحا للرئاسة الفرنسية لقناة تلفزيونية جزائرية خلال زيارته إلى الجزائر بأن “الاستعمار جريمة في حق الإنسانية”.

وكان ذلك معارضة صريحة لمروّجي فكرة محاسن الاستعمار، ورفضا قويا مجددا للمادة 4 من قانون 23 فبراير 2005 التي بموجبها أرادت تلك القوى النيوكولونيالية أن تعترف البرامج الدراسية بالدور الإيجابي للوجود الفرنسي خارج التراب الفرنسي والذي يعني الاستعمار دون ذكره. وهي المادة التي أحدثت ضجة كبرى في كلا البلدين وكل المستعمرات السابقة وأرغمت الرئيس جاك شيراك على إلغائها عن طريق المجلس الدستوري. ورغم ذلك أفشل هذا القانون المجهض اتفاقية الصداقة الجزائرية - الفرنسية التي كانت على وشك التوقيع.

ولكن رغم المبادرات الرمزية وغيرها، لم يتم اتخاذ إجراء حقيقي حول هذا الماضي الاستعماري، كفيل بتهدئة النفوس والمرور إلى علاقة طبيعية علنية بين البلدين.

ولكن ما هي العوائق التي تقف دون ذلك إلى حد الآن؟

لا شك في أن الماضي الاستعماري يشكل صدمة لا تزال تؤثر في فرنسا المعاصرة، إذ أن الملايين من سكان فرنسا الذين لديهم وبدرجات متفاوتة صلات ما مع الجزائر لهم وجهات نظر متباينة حول التاريخ الاستعماري والحرب القاتلة بين الثوار الجزائريين والجيش الفرنسي التي دامت سبع سنوات كاملة. وهذا ما يجعل من أي توضيح أو موقف سياسي رسمي فرنسي في المسألة أمرا محفوفا بالمخاطر تنجر عن صاحبه نتائج انتخابية وخيمة، إذ لا يمكن أن يرضي كل الأطراف. فكيف يمكن أن يرضي في نفس الوقت أربعة ملايين فرنسي من أصل جزائري مرتبطين بالجزائر وثورتها و”الحركي” (قلة من الجزائريين تورطت في الدفاع عن الاستعمار الفرنسي) وكذلك الأقدام السوداء (المستوطنون الأوروبيون الذين سكنوا أو ولدوا في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي) الذين اضطروا إلى المغادرة مع الاستقلال، علاوة على أنصار “الجزائر الفرنسية” الذين لم يهضموا بعد استقلال الجزائر عن فرنسا؟

لقد تحاشى الفرنسيون كلمة “الحرب” في الحديث عما جرى في الجزائر ما بين 1954 و1962 واستعملوا تعبير “أحداث الجزائر” بينما بنى النظام الجزائري ذاكرة منافسة تروم الثأر تحت مسمّى “حرب التحرير”. ولم يتم سرد تاريخ الاستعمار والحرب بين جيش فرنسا الرسمي وجيش التحرير الجزائري بنفس الطريقة في كل من الجزائر وباريس بل لا توجد حتى داخل فرنسا رواية موحّدة حول تلك الفترة ومآسيها لتوفر المناخ الديمقراطي ولو بشكل نسبي في البداية، في حين كان في الجهة الأخرى موقف جزائري رسمي مفروض من طرف سلطة منغلقة ذات فكر أحادي تتاجر بالتاريخ.

وعلى عكس ما يبدو في الخطاب الرسمي الجزائري من تشنّج وعدائية تجاه الطرف الفرنسي أحيانا، ففي الواقع لا شيء من ذلك على الإطلاق، فالعلاقات أكثر من طبيعية والتفاهم المصلحي كان على العموم واقعا بيّنا بين باريس والجزائر. ففي شهر نوفمبر الماضي مثلا صرّح الرئيس ماكرون بينما الرئيس عبدالمجيد تبون على فراش المرض في ألمانيا “سأفعل كل ما بوسعي لمساعدة الرئيس تبون”. ولم يعد يخفى على أحد أن التظاهر بمعاداة فرنسا الاستعمارية ما هو إلا سجل تجاري هدفه دغدغة العواطف الوطنية للجزائريين من أجل البقاء في الحكم.

في كل مرة يجد النظام الجزائري نفسه في ورطة ومعارضة وتذمر شعبي جراء فشله في تسيير البلد، يلجأ إلى إخراج ورقة فرنسا الاستعمارية التي تتآمر على بلد المليون ونصف المليون شهيد ويهدد باستصدار قانون يجرّمها ويطالبها بالاعتذار وكل ذلك بحثا عن شرعية مفقودة في الداخل وتهدئة للشارع الغاضب.

منذ سنة، ومن أجل مصالحة الذاكرة بين فرنسا والجزائر في محاولة لتحرير العلاقة بين البلدين من قضايا التاريخ المأساوي المشترك، عيّن الرئيس الفرنسي المؤرخ الشهير بنيامين ستورا المولود في الجزائر والمتخصص في تاريخها وأحد العارفين المدققين بتاريخ الثورة الجزائرية وصاحب المؤلفات الكثيرة في الموضوع، وفي المقابل عيّن الرئيس تبون مستشاره عبدالمجيد شيخي والذي كان مكلفا لمدة بمركز الأرشيف الوطني وشارك في حرب التحرير والذي لا نعرف له مقالا واحدا أو كتابا في تاريخ الجزائر أو غيره.

ونتيجة لهذا التعيين الاعتباطي المقصود حدث ما كان منتظرا، فبعد سنة تسلم الرئيس الفرنسي ماكرون تقريرا علميا جادا من المؤرخ ستورا جاءت فيه مقترحات كثيرة أهمّها تشكيل لجنة من أجل “الحقيقة والذاكرة” مثلما حدث في جنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الأبارتايد. ولم يكتب عبدالمجيد شيخي كلمة واحدة طيلة عام كامل بل راح يقدح في التقرير المقدم من طرف ستورا بطريقة تستدعي الشفقة، مدّعيا هو ومنظمة المجاهدين والكثير من وسائل الإعلام عديمة المصداقية، أن في التقرير تأكيدا على أن فرنسا لا ينبغي أن تعتذر عما فعلته في الجزائر إبان فترة الاحتلال في حين أنه لا ذكر لذلك في تقرير ستورا بل بالعكس فقد كتب بأن لا مشكلة في تقديم فرنسا اعتذارها عن الجرائم المرتكبة في حق الجزائريين.

ونحن نعرف بأن مسألة الاعتذار تخدم الآلة الدعائية للنظام الذي يستثمر في المطالبة بالاعتذار كلما احتاج إلى ذلك وبات واضحا أنه لا يريد تصفية المسألة مع فرنسا في العلن كي لا يقطع غصن الشجرة الذي يجلس فوقه منذ 1962. وخير دليل على ذلك أن النظام في الجزائر لم يطلب من فرنسا رسميا الاعتذار رغم تهديده المستمر منذ مدة باستصدار قانون يجرّم الاستعمار ولكنه لم يفعل إلى حد الآن مما يدل أن كل الأمر مجرد مسرحية سياسية.

لا مجال لأخذ الأمور بجدية ما دامت الشرعية التاريخية هي الشرعية الوحيدة التي يركب عليها النظام في الجزائر ليواصل الاستحواذ على مقاليد الحكم والثروة. فقط حينما تصبح الشرعية الشعبية هي الأساس ستحل كل المشاكل العالقة مع فرنسا ومع غيرها وسنعبر حينها من الذاكرة – الدكان إلى التاريخ الموثق.

العرب اللندنية 




مواضيع ساخنة اخرى

  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

ماكرون يعترف: بومنجل تم تعذيبه واغتياله على يد الجيش الفرنسي


اقرأ المزيد