Date : 02,03,2021, Time : 01:35:15 PM
12677 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الخميس 21 جمادي الآخر 1442هـ - 04 فبراير 2021م 12:43 ص

لا خيار سوى الاستفتاء

لا خيار سوى الاستفتاء
مختار الدبابي

اختار الجميع التصعيد والهروب إلى الأمام، وذهبت فرصة الحوار الوطني التي اقترحها الاتحاد العام التونسي للشغل ودعمتها أحزاب وشخصيات مختلفة، وربّما كانت ستوفر تهدئة حقيقية، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. والاتحاد نفسه لم ينتظر طويلا ليقول إن المبادرة انتهت وكأنه هو نفسه يستعجل الدخول في سباق التصعيد.

ودون أن يحمّل أي جهة مسؤولية فشل مبادرته، أطلق اتحاد الشغل هجوما عنيفا على الحكومة وسياساتها الاقتصادية بعد تصريحات مثيرة للجدل لوزير المالية والاقتصادية علي الكعلي قال فيها إن وزارته قد تلجأ ضمن حلولها إلى خفض الرواتب والتراجع عن الزيادات والعلاوات التي تم إقرارها في فترات لاحقة بهدف التحكم في الأزمة.

قرأ الاتحاد موقف الحكومة على أنه أخطر من مجرد رفض مبادرة الحوار التي طرحها والتي تجعله “حكيم البلاد”، وأن الهدف من ورائه استهداف المكاسب التي حققها لفائدة منتسبيه من العاملين في القطاع العمومي، وهي مكاسب جلبت له شعبية كبيرة وحوّلته إلى “أكبر حزب في البلاد” كما يقول أنصاره والمتباهون بدوره خلال سنوات ما بعد 2011.

ومن الواضح أن البيان تعامل مع موقف حكومة هشام المشيشي، والحزام البرلماني الذي يقف وراءها، على أنه ضرب لرمزيته الجامعة داخل قطاع عريض من الطبقة الوسطى راكم الكثير من المزايا مستفيدا من ضعف حكومات سابقة، كإشارة على بدء حرب على ما اسمُه “استهداف قوت الشعب ومؤسّساته وثرواته والتخطيط لضرب الأجور وإلغاء الدعم وبيع المؤسّسات العمومية ومواصلة وقف الانتدابات وإغراق البلاد في التداين”.

والرسالة التي حملها البيان أن الاتحاد إذا تم تهديد المكاسب التي حققها، وخاصة الدور السياسي الذي بات يلعبه بعد الثورة، فإنه سيتحرك بقوة ولا يهمّ بالنسبة إليه مصير مبادرة الحوار الوطني، ولا الوساطة بين رؤوس ثلاثة في الدولة لا هدف لها في هذه المرحلة سوى صب الزيت على نار الخلاف.

وبالنتيجة، فإن واجهة جديدة للصراع ستظهر بقوة خلال الأيام القادمة وستكون بين الاتحاد والحكومة التي لا يزال عدد كبير من وزرائها لم يؤدوا اليمين الدستورية، وينتظرون حسم الخلاف القانوني بين الرئيس سعيد ورئيس الحكومة المسنود بمواقف عدد من فقهاء القانون.

وكان الاتحاد قد أعلن عن سلسلة من الإضرابات العامة في الجهات وأجّلها بانتظار اتضاح مسار مبادرته للحوار الوطني، والتي كان الهدف منها بالأساس انتزاع المزيد من الاعتراف بدوره كضامن للانتقال السياسي وحسم الخلافات بين الطبقة السياسية الهاوية. والآن ينتظر أن تتحرك ماكينة الاتحاد لإقرار مواعيد لتلك الإضرابات وتوسيع دائرتها، ما يزيد من حدة الأزمة الاجتماعية.

وفي ظل الخلاف الحاد بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، لا أحد يقدر على بناء حوار جديد مع الاتحاد يمكن أن يخفف من غلواء هذا التصعيد مثلما نجح في ذلك من قبل الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي. كما أن الحكومة لن تقدر على أن تقدم تنازلات جديدة أو حتى تعهدات بالتراجع عن مسار التقشف لأنها باتت تحت ضغط الدائنين، وخاصة الصناديق المالية الدولية، التي تشترط على الدولة التونسية وقف موجة التوظيف العشوائي والزيادات غير المحسوبة في الرواتب التي شهدتها البلاد خلال السنوات العشر الأخيرة.

لا تقدر الحكومة الحالية على المناورة ولا الهروب إلى الأمام مثلما فعلت الحكومات السابقة، فصندوق النقد وراءها واتحاد الشغل أمامها، وهو ما يهدد بأزمة اجتماعية حادة وارتفاع في منسوب الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية.

والأسوأ من كل هذا أن حكومة المشيشي، وهي حكومة تكنوقراط، تجد نفسها تحت تأثير صراع سياسي حامٍ بين الأحزاب التي تدعمها من جهة ورئاسة الجمهورية من جهة ثانية. ووجد رئيس الحكومة نفسه جزءا من هذا الصراع رغم أنه شخصية إدارية غير معروفة وتم اختياره بشكل عرضي لقيادة هذه الحكومة.

ولا يقدر رئيس الحكومة على تنفيذ أي من خططه في ظل الصراع السياسي في البرلمان، وهو صراع عطّل أغلب مشاريع القوانين التي قدمت للبرلمان وتحتاج الحكومة إليها لتنفيذ خطط عاجلة لوقف تدهور الأوضاع. وعلى الأرجح، فإن هذه الحكومة ستصمد لبعض الوقت قبل أن تضطر إلى الاستقالة وتفتح الباب للسياسيين لتجريب مناورة جديدة تربحهم بعض الوقت في الصراع مع الخصوم لكنها تزيد من معاناة الناس.

ومثلما سقطت حكومة الحبيب الجملي، ثم إلياس الفخفاخ، فإن الحكومة التي قد تخلف حكومة المشيشي ستعرف نفس المآل طالما أن الأزمة السياسية قائمة، ولم تنج البلاد في حلها بشكل جذري.

الأزمة من البداية كانت في النظام السياسي الهجين الذي تم اختياره، فلا هو يسمح لرئيس الحكومة بأن يتصرف بحرية لينفذ ما يخطط له من برامج، ولا يسمح لرئيس الجمهورية بأن يحكم وينفذ أفكاره، ولا هو يسمح للبرلمان بأن يكون قوة محددة ويفرض أجندة الحزب الأول الذي يدير الحكومة ليتحمل مسؤوليته أمام الناس.

إن النظام السياسي وضع بغاية واحدة هي أن يجعل البلاد في حالة من الفوضى المستمرة وغياب القرار، وإذا استمر التمسك الأعمى لبعض الأحزاب والشخصيات به، فستظل تونس تعيش على وقع الأزمات إلى ما لا نهاية.

إن الحل الآن لا يكمن في الانتصار الإعلامي للرئيس سعيد ولا للمشيشي ولا للغنوشي ولا لعبير موسي، ولكن في الدفع نحو حل سياسي جذري ينهي لعبة التفتيت التي تمت صياغتها في الغرف المظلمة في الأيام الأولى للثورة.

لا تحتاج البلاد إلى ديمقراطية معلقة في الهواء.. ها قد شبعنا ديمقراطية وجدلا وصراعات ومناورات، والآن نحتاج إلى ديمقراطية عملية تفضي إلى الخروج من الأزمة العميقة التي تعيشها تونس.. والحل ليس في حلول جزئية لتحسين النظام الحالي مثل تعديل القانون الانتخابي أو الرفع في نسبة عتبة دخول البرلمان إلى ثلاثة أو خمسة في المئة، ولكن في استفتاء شعبي حول النظام السياسي.

الهدف منه أولا حسم شكل السلطة وتقديم نموذج عملي للحكم، وثانيا سدّ الثغرات التي تركها دستور 2014، والتي باتت تسمح بالتأويل ونقيضه وشرعت للاصطفاف الحاد الذي تعيشه البلاد. والأهم من كل هذا وقف العبث في الفتاوى وفتح الطريق أمام إخراج البلاد من النفق.

ومن خلال نتائج الاستفتاء يمكن أن نتحدث عن انتخابات برلمانية ورئاسية سابقة لأوانها، وإعادة تشكيل المشهد لإبراز حزب حاكم قوي يتحمل مسؤولية قيادة البلاد في العلاقة بملفات الداخل والخارج.

العرب اللندنية




مواضيع ساخنة اخرى

  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

لقطات تبث للمرة الأولى للهجوم على قاعدة عين الأسد (فيديو)


اقرأ المزيد