Date : 27,01,2021, Time : 03:10:20 PM
3512 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الاثنين 27 جمادي الاول 1442هـ - 11 يناير 2021م 12:24 ص

دونالد ترامب والطفولة المستدامة وعالم البرزخ

دونالد ترامب والطفولة المستدامة وعالم البرزخ
وسام سعادة

ظهرت مواقع التواصل، وفي طليعتها «تويتر» عبر إيثارها حجب حسابات الرئيس دونالد ترامب المفترض به إخلاء البيت الأبيض في العشرين من هذا الشهر، بمظهر «أجهزة الأمن والأمان الإفتراضيين» للدولة، أكثر من أي إجراء لها سابقاً.
في هذا التوصيف استيحاء من النص الشهير للفيلسوف الماركسي الفرنسي لوي ألتوسير، «الأيديولوجيا والأجهزة الأيديولوجية للدولة» (1970). فعند التوسير ان الايديولوجيا المسيطرة ليست أفكاراً معزولة في عالم المثل، انما هي مصاغة في أجهزة وممارسات، وكما أن للدولة الحديثة أجهزتها القمعية من جيش وشرطة وسجون، فلها كذلك أجهزتها الأيديولوجية من مدرسة وجامعة وكنيسة – حتى في ظل العلمنة – ونقابة – حتى ولو رفعت النقابة شعار القرار للعمال مثلا.
لكن ما يلفت أكثر أن كل أجهزة الدولة الموسعة بهذا الشكل في تصور ألتوسير تمارس مهاماً قمعية وأخرى أيديولوجية في آن، مع فارق أن في قسم منها، القمع، أي قمع الأجساد وتحديد حركتها، هو المحدد الأول، وفي القسم الثاني منها، ضبط الوعي وتحديد لغته، هو المحدّد الأول.
يستوحي توصيفنا لمواقع التواصل «الاجتماعي» من حيث هي أجهزة أمن وأمان افتراضيين من ألتوسير هنا الشيء الكثير، مع فارقين أساسيين. الأول: ان الأيديولوجيا هنا، استردها بمعنى من المعاني، عالم المثل المحقق، أي الفضاء الافتراضي للانترنت، فصارت الايديولوجيا المسيطرة أو بالأحرى الأيديولوجيات المبثوثة الأكثر رواجاً «مجسدة» في اللامجسد بامتياز، الذي هو الفضاء البرزخي للانترنت.
والفارق الثاني أن هذه المواقع التواصلية هي أجهزة امتدادية للدولة، تمارس مهاماً رقابية – أمنية – تجسسية (لا يعني هذا البتة انها تشتغل عند الأجهزة الأمنية التقليدية للدولة بل هي مستقلة استخبارياً عنها، أقله الى حد معين) كما تمارس تأطيراً معيناً للوعي، لكن لا يمكن الفصل بصددها أي مهام تغلب على الأخرى. تبدو هذه المهام في حالتها منسابة تماماً في بعضها البعض. كأنها واحد، وكأنها غائبة.
غائبة الا إذا توجب الأمر، في «حال الاستثناء» التحرك، وحجب حسابات شخص يفترض أنه لم يزل، حتى تاريخه، يتولى المنصب الأول، في نظام هو من بين أكثر الأنظمة الدستورية ذات طبيعة رئاسية، وعلى رأس الدولة الأقوى على سطح هذا الكوكب، وبميزان القوتين، الغليظة منها والناعمة.

تعاملت أجهزة التواصل مع الحالة دونالد ترامب كما أنه كائن يستمدّ وجوده من وجوده بالإفتراض على «تويتر». ينفذ مؤامرة على القواعد الديمقراطية بتغريدة، فتردع هذه المؤامرة بحجب لحسابه. والافتراض أن حجب ترامب عن الواقع يتأمن بحجبه عن فضاء الافتراض وجد سريعاً مصداقه في ارتفاع الحديث داخل الكونغرس الأمريكي عن وجوب عزل ترامب حتى قبل آخر يوم من ولايته، ما يعني تنصيب نائبه مايك بنس رئيساً ولو كان ليوم واحد. «تويتر» وضع بالنتيجة ترامب في الإقامة الجبرية الآن، في حين سبق لترامب ان كتب تغريدات تعد بمقدمات لحروب عالمية، بلغة يستشف منها ابتعاد عن جادة السوية، ولم يتشنج بصددها الموقع. لكن تويتر تصرف كجهاز أمن وأمان للدولة بشكل متزايد عشية الانتخابات الأمريكية الأخيرة وأكثر فأكثر في أعقاب ذيوع نتائجها وطعن ترامب والترامبيين بها. تصرف كجهاز لدولة، لكن أي دولة؟

هي قبل كل شيء «دولة تدوين الرغبات وتشذيبها». يمكن استيحاء شيء ما هنا من كتاب الفيلسوف السياسي الأمريكي برنارد هاركورت حول مجتمع «المعروضين» (2016) ففيه محاولة لتفكير أبعاد هذه المصادرة للمعاش من قبل العالم الافتراضي وشركاته الكبرى. فكل ما نفعله، حتى ما لا نصرح به لأحد سوانا، انما نسرّ به الى شاشة محمولنا، فيُخَزّن، ويُسَجّل، ويُراقَب. بحيث باتت الأنا القائمة في كل منا «أنا رقمية» مشبوكة، يجري استثمار رغباتها في الوصول لكل شيء، طول الوقت. ومن جملة ما يراه هاركورت أننا لم نعد فقط ضمن الوضعية التي وصفها في دوبور في «مجتمع المشهد» حيث الجميع يتفرج على السلع والسلع تتفرج على الجميع في مزيج من الصخب والخمول، كما تجاوزنا آليات الضبط والمراقبة لحركة الأجساد التي اعتنى ميشال فوكو بسبر طرائق اشتغالها والبنى التي تتقوى داخلها، بل أننا وصلنا إلى مرحلة رفع الحجاب كلياً عن كل ما يفصل مجال الضمير والمجال الخاص عن المجال العام، واللافت في هذا المضمار ان هاركورت يتبين في واحد من فصول كتاب الكسي دو توكفيل «الديموقراطية في أمريكا» 1835، ارهاصات لهذه النظرة، حين يتجاوز توكفيل فحص خطر «طغيان الأكثرية» في نظام ديمقراطي الى مغبة ما يسميه «الاستبداد الديمقراطي» الحالة التي يكون فيها من مصلحة الانتظام العام الحؤول دون أن يبلغ الناس فعلياً سن الرشد، أو سن الأهلية، أي الحالة التي تقول فيها الديموقراطية للناس، السيادة لكم، بشرط عدم استخدامها، وأنتم بلغتم بالفعل كمواطنين ناخبين سن الرشد، لكن لا داعي الرشد الا في الحالات الاستثنائية.
بهذا المعنى، وصول ترامب الى الرئاسة الأقوى في العالم محيّر: إذ يوحي كثيراً بهذه الطفولة المستدامة، وقد خيضت الانتخابات الأخيرة تحديداً بهذا اللون. مواجهة بين كاريزما الطفولة المستدامة والشائخة وبين الوقار الخالي من إبهار. الوقار «الناشف».

كذلك غزوة الكابيتول، فالشباب الذين اقتحموا مبنى الكونغرس ظهروا هم أيضاً بمظهر أطفال ما بعد سن الرشد القانونية. عندما تعاقب أجهزة التواصل هؤلاء، فهي تعاقب ما هي تنمّيه هي بالنتيجة منذ سنوات: ديناميات الطفولة المستدامة على أوسع نطاق. والطفولة هنا بمعنى بمحدد، أن لا تدرك ان هناك حدودا لرغباتك، أو موانع موضوعية تحول دون تحقيقها كلها، وفجأة، وفي وقت واحد، وان يصدمك عدم تحقق ذلك بالشكل المرغوب، فلا تجرك هذه الصدمة الى العدول عن هذه الرغبة، بل المثابرة عليها كما لو ان شيئا لم يكن، كما لو ان واقعاً لم يكن، والنتيجة تكون أكثر فأكثر، تحوّل عدم قدرتك على فهم حدودك وحدود رغباتك الى المزيد من اختزال أناك المتضخمة نرجسياً الى أنا رقمية، والى المزيد من انمحاء خصوصيتك فشخصيتك، وآية ذلك ما حصل لترامب. المكمّل الموضوعي لحجب ترامب هو تقديمه كعبرة، ليس لدفع الناس لمغادرة طفولتهم المتمددة، بل الغوص فيها أكثر.
الطفولة المستدامة لمن بلغ سن الرشد أو تجاوزه بعقود هي في الوقت نفسه اعتداء على طفولة الأطفال. ما يجعل من استعادة الراشدين لرشادهم وحماية طفولة الأطفال قضية مزدوجة بالنتيجة. في الطفولة يتعلم الأطفال شيئا فشيئا ان العالم ليس مجرد امتداد او أغراض لهم، وأنهم في العالم، وأنهم خارجه بمعنى من المعاني.

أما الطفولة المستدامة فيلغي فيها الناس ما يفترض انهم صقلوا به في هذا الصدد، حيث تسمح لهم الأنا الرقمية المتضخمة بإعادة التعامل مع العالم كما لو كان مجموعة أغراض لكل واحد منهم، تشكل امتدادات لأعضاء جسدهم ولرغباتهم. ترامب شكل حالة متقدمة من كل هذا. مكابرته وأنصاره على النتائج لا ترجع إلى رغبة مجاهرة وممنهجة في الاطاحة بالديمقراطية. بل الى رغبة في نتائج فرز مختلفة عن تلك المقرّة. عدم قدرة على الإدراك بأن ثمة حدودا للرغبة، وأن ثمة حدودا لصياغة العالم بتغريدة على تويتر. فلسنوات، وترامب يصيغ العالم بتغريداته، الى ان حجب الموقع ترامب نفسه عن العالم. عامله بما يعامل «الطفل المستدام» بعيد اجتياح أطفال مستدامين، لكن في أعمار شابة، لمبنى الكونغرس، معترضين من جهتهم على المقلب الآخر من نفس المشهد: الوقار الاصطناعي، الفاقد لعنصر الإبهار.

القدس العربي 




  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

روحاني دفاعا عن وزير اتصالاته: حاكموني بدلا عنه


اقرأ المزيد