Date : 25,01,2021, Time : 02:58:57 PM
3857 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: السبت 11 جمادي الاول 1442هـ - 26 ديسمبر 2020م 01:29 ص

أمريكا ضحية العام

أمريكا ضحية العام
عبد الحليم قنديل

«شخصية العام» تقليد مهني سنوى لمجلة «التايم» الأمريكية، بدأته عام 1927، وفيه تختار رجلا أو امرأة أو جماعة أو فكرة، وتضعه على غلافها في السابع من ديسمبر كل عام، وتعتبره الأكثر تأثيرا في حوادث الدنيا، بناء على استفتاء تجريه بين قرائها، لا تلزم المجلة نفسها بنتائجه، وتترك الرأي الأخير لهيئة تحريرها، وقد اختارت «التايم» جو بايدن وكامالا هاريس لغلاف شخصية العام المنقضي، ومن دون أن يسلّم الكل بصحة الاختيارات المتحيزة بطبيعتها، إلا في حدود كونها طقسا احتفاليا أمريكيا غالبا، لا يزال يعيش في أجواء الفكرة المتقادمة عن «مركزية أمريكا» في صناعة تطورات العالم.
وربما كان الأجدر بمجلة «التايم»، وقد يكون الأدق، أن تضع على غلافها السنوي الأخير خريطة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد سبق للمجلة أن اختارت دونالد ترامب كشخصية العام في 2016، كان ذلك بعد فوزه المثير على المخضرمة هيلاري كلينتون، ووضعت مع صورة ترامب تعليقا بليغا، يقول نصه «الولايات المنقسمة الأمريكية»، كانت الإشارة إلى «الانقسام» بدلا من «الاتحاد» الأمريكي في محلها تماما، لكنها لم تصبح مرئية للعيان على نحو واسع، إلا في عام 2020، الذي انتهى بهزيمة ترامب وفوز بايدن ونائبته كامالا، مع تأكيد فكرة «الانقسام» التي كان عنوانها ترامب، الذي لا يزال على رفضه التسليم بالنتائج.

ورغم حدوث سوابق نزاعات على النتائج الانتخابية، إلا أنها كانت تنتهي سريعا، حتى لو جرى اللجوء للقضاء، وعلى نحو ما جرى بدايات القرن الجاري، والانتقال لعد يدوي لأصوات ولاية «فلوريدا»، وإعلان فوز بوش الابن، على آل غور، وتهنئة الخاسرُ الفائزَ، كما تقتضي الأعراف المستقرة، إلا أن ترامب هذه المرة، ظل رافضا الاعتراف بفوز غريمه، وأقام نحو خمسين دعوى قضائية، خسرها جميعا أمام محاكم الولايات والمحكمة الفيدرالية العليا، لكنه ظل معاندا مستهينا بأحكام القضاء نفسها، ومصرا على زعمه بتزوير الانتخابات كليا، وتلك قصة أبعد من غرابة أطوار شخصية ترامب، فوراء الرجل جيش كامل من مؤيديه، يعتقدون ما يعتقد، ويعيدون ما يقوله بالحرف، وفقدوا الثقة تماما بكل المؤسسات الأمريكية الاتحادية، وربما يعتبرون أنفسهم شعبا آخر منفصلا تماما، رأس الحربة فيه نحو 75 مليون شخص، صوتوا لترامب، قد يصلون بتأثيراتهم إلى ما يقارب نصف سكان الولايات المتحدة الأمريكية، وبينهم جماعات مستعدة لممارسة عنف، قد يصل بالانقسام الأمريكي إلى مستويات أخطر، ربما لا تكون مسبوقة منذ سنوات الحرب الأهلية الأمريكية في ستينيات القرن التاسع عشر، التي انتهت بنصر دموي للاتحاد الأمريكي على انفصال الولايات الكونفدرالية الجنوبية، الرافضة وقتها لتحرير العبيد، وهو ما قد يتكرر اليوم، وإن بصورة مختلفة، يبرز فيها شعب ترامب، الراغب في رد اعتبار وامتياز وتفوق العرق الأبيض، فثلثا البيض الأمريكيين من مؤيدي ترامب، وقد يريدون العودة للأخذ بالثأر في انتخابات 2024، هذا إن لم تجر حوادث تتطور دمويا قبل التاريخ الموعود.
صحيح أن المؤسسات الفيدرالية الأمريكية، وفي قلبها البنتاغون، تبدو عازمة على إنفاذ نتائج الانتخابات، وأن الرئيس الأمريكي المنتخب يعطي معالجة الانقسام الأمريكي أولوية في مهمته، لكن فرص نجاح مسعاه لا تبدو مؤكدة تماما، خصوصا مع ضعف وشيخوخة ظاهرة في قيادة المؤسسات الأمريكية المنتخبة، فالرئيس بايدن يقترب عمره من الثمانين، ورئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي تجاوزت الثمانين، وزعيم الكتلة الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، وصل عمره اليوم إلى 87 سنة، وهو ما قد يذكّر بما جرى في الاتحاد السوفييتي قبل تفكيكه، حين ظل ليونيد بريجنيف السكرتير العام للحزب الشيوعي، يواصل تشبثه بالسلطة إلى أن مات في أرذل العمر، وخلفه العجوز أندروبوف، إلى أن مات بعد 15 شهرا، ثم تشيرنينكو الذي مات بعد 13 شهرا في السلطة، ثم جاء غورباتشوف الأصغر سنا، وعجّل بالتفكيك الأخير، وقد تكون الديمقراطية الأمريكية أكثر جدوى ونفعا من البيروقراطية السوفييتية، وهذا صحيح إلى حد بعيد، وقد تحول دون وصول حالة الانقسام الأمريكي إلى شيء يشبه التفكك السوفييتي، لكن ضمانات الديمقراطية الأمريكية لا تبدو قادرة على صنع المعجزات بالضرورة، ولا على استعادة بريق أمريكا الذابل، خصوصا أن الداء الأمريكي الراهن له أبعاد أخرى، أخطرها ما كشفت عنه جائحة كورونا، التي افترست أمريكا كما لم يحدث لبلد آخر، وكانت السبب الرئيسي في هزيمة ترامب، وفضحت هشاشة النظام الصحي والاجتماعي في أمريكا، التي نظر إليها طويلا كأكثر بلدان الدنيا تطورا ورفاهية، لكن أمريكا نفسها، هي التي حازت النصيب الأوفر عالميا من الإصابات والوفيات، فلم تنزل نسبة إصاباتها المكتشفة عن خمس إصابات البشر جميعا، التي تناهز الآن نحو الثمانين مليونا، وبلغ عدد الوفيات في أمريكا نحو ثلث وفيات كورونا عالميا، وقد وصل الرقم الأمريكي إلى اليوم نحو 330 ألفا، رغم البدء في تعميم لقاحات التحصين، بينما كان عدد قتلى الأمريكيين في الحرب العالمية الثانية نحو 292 ألفا لا غير، ووقت نهاية الحرب الثانية، كانت أمريكا في افتتاح صعودها وسيطرتها الكونية، وكانت تملك وحدها نصف اقتصاد العالم، وكانت حلما مغريا بالالتحاق به أو بتقليده، وهو ما دار عليه الزمن بعد أكثر من سبعة عقود، فقد تعب الاقتصاد الأمريكي، وفقد كثيرا من طابعه الإنتاجي العيني، وتزايدت هشاشته في السباق مع جموح الاقتصاد الصيني، وصارت أمريكا أكبر مدين في التاريخ، وقفزت ديونها الداخلية والخارجية إلى 26 تريليون دولار مع عواصف جائحة كورونا، ونزل معدل النمو السنوي إلى ما تحت الصفر بكثير في 2020، واتسعت رقعة عجز الموازنة إلى أكثر من تريليون دولار، وكلها تطورات سلبية، لا تبعث على البهجة بين صفوف الأمريكيين، وتأخذ من حوافز اتحاد الأمريكيين متعددي الأعراق، فأمريكا ليست بلدا قوميا بالمعنى المفهوم، وقد وصفها المؤرخ الأمريكي شليزنجر مرة، بأنها شركة كبرى، لا يجمع ناسها سوى معدلات النمو وأرقام الناتج الإجمالي، وضعف الاقتصاد يثير الانقسامات العرقية والطبقية، فوق تراجع معاني الهيبة الأمريكية على الصعيد الكوني، صحيح أن أمريكا لا تزال هي الأولى والأعظم في التطور التكنولوجي، وصحيح أن إنفاقها على السلاح وتطويره بلغ أرقاما فلكية، زادت على 750 مليار دولار سنويا، لكنها لم تعد تلك «القلعة المحصنة» الأكثر أمانا وإحكاما، كما بدت لوقت طويل، فلم يهاجمها أحد منذ الغارة اليابانية الانتحارية على ميناء «بيرل هاربر» صباح 7 ديسمبر 1941، وإلى أن جرت حوادث 11 سبتمبر 2001، التي بدت خروجا عن نص الأمان المطلق، وكشفت خروقا تعددت رواياتها، ثم تطور عصر التكنولوجيا الفائقة، التي سبقت إليها أمريكا بامتياز، وإلى أن ضربت أمريكا في قدس أقداسها التكنولوجية مرات، جرى أخطرها في عام الكوارث الأمريكية نفسه 2020، ولم تكتشف الأجهزة الأمريكية حجم الدمار، إلا بعد تسعة شهور من بدء حرب إلكترونية كاسحة، شنتها روسيا كما يخمن المحللون الأمريكيون، وإن مال ترامب إلى ترجيح دور الصين في الاختراق غير المسبوق، الذي لم يترك أمن مؤسسة أمريكية كبرى أو صغرى على حاله، ولا استثني نظم التأمين الالكتروني لترسانة واشنطن النووية، ومن دون أن تشعر أمريكا (الجبارة!) إلا متأخرا بعمق وضراوة الاختراق، الذي نقل أسرارها كافة إلى المخترقين، وتركها عارية إلكترونيا، ومن دون مقدرة تذكر على كشف أسلوب الاختراق، في ما بدا كأنه أكبر وأخطر عملية تجسس في مطلق التاريخ الإنساني، تحطمت فيها جدران حماية إلكترونية، أنفقت عليها تريليونات الدولارات، وخرجت منها أمريكا مهزومة، بما يشبه الضربة القاضية، رغم تهديدات الرئيس المنتخب برد الصاع صاعين لروسيا، وهو ما لا يبدو ممكنا تحقيقه بسهولة، اللهم إلا من باب عقوبات اقتصادية مزادة فرضت على الصين وروسيا، التي تبدي قدرا ملحوظا من اللامبالاة بتهديدات واشنطن المسكينة.
وبالجملة، بدت أمريكا كضحية مفضلة لحوادث عام 2020، بعد أن كانت وعلى مدى عقود، السبب والفاعل الرئيسي في مآسي العالم، وفي سقوط عشرات ملايين الضحايا، قبل أن تنقلب عليها عقارب الساعة، وتزيد الشروخ في جدران عظمتها المصنوعة، ومن دون أمل ظاهر في إعادة ترميم أمريكا، التي كانت لوقت طال، هي «القوة العظمى» بألف ولام التعريف، وتحولت إلى مجرد «قوة عظمى» بين متعددين، تطارد أشباح السقوط عن العرش.

القدس العربي 




  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

بالتفاصيل.. قرارات بايدن المنتظرة هذا الأسبوع


اقرأ المزيد