Date : 18,07,2019, Time : 06:13:30 PM
5606 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الأحد 12 شوال 1440هـ - 16 يونيو 2019م 11:50 م

القتل والأعياد والنيل الأزرق

القتل والأعياد والنيل الأزرق
د. الشفيع خضر سعيد

 في السودان أضحت ثلاثية القتل والأعياد ونهر النيل الأزرق ممسكة بتلابيب أرواحنا، تعذبها وتأبى الفكاك منها ما لم تتحقق العدالة وينال القاتل العقاب العادل الملائم لما اقترفته يداه من جريمة القتل خارج إطار القانون. والثلاثية هذه تتجسّد دائما في كنف سطوة سدنة الإسلام السياسي، حكاما أو جحافل ثورة مضادة متعطشة للانتقام. إن انتهاك القانون والإفلات من المحاسبة والعقاب، من الظواهر الأولى المسببة لانهيار الدولة، ولا معنى لأي نشاط أو حراك نتبناه، إذا لم يكن منتبها لهذه الظاهرة. أما إذا أغمضنا أعيننا عن تجاوزات انتهاك القانون والإفلات من المحاسبة لصالح المكاسب السياسية فسنكون مشاركين أصيلين في الجريمة. وبالعودة للثلاثية، نقول، في شهر رمضان، عام 1990، عشية عيد الفطر المبارك، نفّذ نظام الإنقاذ البائد جريمة اغتيال ثمانية وعشرين ضابطا من ضباط القوات المسلحة السودانية، إثر اتهامهم بمحاولة تنفيذ انقلاب عسكري على نظام البشير، المخلوع الذي، وللمفارقة، ما تربع على السلطة إلا عبر انقلاب عسكري عام 1989.
وعشية عيد الأضحى المبارك، عام 1998، وفي معسكر خاص بالتجنيد الإلزامي، بمنطقة العيلفون، إحدى ضواحي الخرطوم، ضمّ عددا من الطلاب والتلاميذ، طلب الطلاب من إدارة المعسكر السماح لهم بقضاء عطلة العيد مع ذويهم، فرفضت الإدارة وهددتهم بتوقيع أقصى العقوبات عليهم إذا حاولوا عصيان الأوامر. وعندما استنكر الطلاب القرار وتجمعوا محتجين ومستنكرين قسوة وتعنت إدارة المعسكر، طلب القائد المسؤول، والذي كان يتبوأ موقعا قياديا في حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، ويجلس الآن على كرسي دبلوماسي ممثلا للسودان في المنظمة الإقليمية العربية، طلب من جنده الأشاوس اتخاذ موقع الاستعداد للمعركة ولخوض الحرب الضروس، ثم أصدر أوامره بإطلاق النار على الطلاب المتجمهرين، لتمزّق نيران المدافع الرشاشة أجسادهم النحيلة، وهم عزلا إلا من دهشة الفزع المرتسمة على وجوههم، لحظة الاستشهاد.
حصد الرصاص أرواح 140 من طلاب وتلاميذ المعسكر، وبعضهم قضى غرقا في نهر النيل الأزرق، أو مزّقهم الرصاص وهم يحاولون الهرب سباحة في النهر، لتختلط أجسادهم ودماؤهم الطاهرة بمياه الأزرق الدفاق، ودفنوا سرا، بليل، بدون إبلاغ ذويهم. أسدل الستار على الجريمة، ولم نسمع بأي تحقيق حولها، ومرت من دون أي عقاب، بل كوفئ المسؤول عنها.

وفي شهر رمضان من العام الجاري، عشية عيد الفطر، أرسل المجلس العسكري الحاكم، وحسب اعترافات ناطقه الرسمي، كما جاء في مؤتمره الصحافي المذاع والمتلفز، أرسل جحافل قواته الأمنية لتمزّق أجساد الشباب وهم نيام، والذين اعتصموا أمام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية محملين بعشم أن تحميهم هذه القوات من بطش كتائب الموت، ولكنها لم تفعل بل شاركت في المذبحة، كما جاء في تصريح الناطق الرسمي. ومرة أخرى كان نهر النيل الأزرق حاضرا، حانيا على الأجساد التي مزّقها الرصاص، وتلك التي أتته حية مكبلة بالأثقال. الهدف الرئيس لهجوم تتار القرن الواحد والعشرين لم يكن فض الاعتصام، بل قتل الأمل في التغيير عبر سفك دماء اكبر عدد من الشباب المنهمك بهمة وجدية وحيوية في بناء الغد الواعد في بلادنا. كانت المجزرة انتقاما، وتمهيدا لانقلاب مضاد على الثورة المجيدة.

لقد أشرنا من قبل إلى أن أول التحديات التي تواجهها ثورة السودان هي أن انتصارها ظل جزئيا وغير مكتمل ما دام توقف عند الإطاحة برأس سلطة تحالف الاستبداد والفساد، أو غطائها السياسي، بينما جسد هذا التحالف باق ينخر في عظام الثورة وينسج خيوط غطاء سياسي بديل، لينقض ويحكم من جديد بقوة الدم المسفوح. وقلنا إن هذا الغطاء السياسي البديل لن يهمه أن تدخل البلاد في نزاع دموي شرس، يكتسب الديمومة بفعل عدد من العوامل، منها أن تحالف الفساد والاستبداد من الصعب أن يبتلع ضياع ما راكمه من ثروات ضخمة خلال العقود الثلاثة الماضية. وهي ثروات لم تُجن بكدح عرق الجبين أو بتدوير رأسمال متوارث، وإنما باستغلال يد السلطة في نهب موارد البلاد وأحلام مستقبل شبابها. وبعد الثورة، لم تُمس هذه الثروات، وظل يجري استخدامها في التحضير الجدي للانقضاض.
وفي ظل هذه الحقيقة، وحقيقة أن الجرائم البشعة التي ارتكبت خلال الثلاثين عاما الماضية ثم إبان حراك الثورة، ظلت بدون مساءلة أو عقاب، بينما مرتكبوها ظلوا قابعين في مواقع السلطة، وفي ظل وجود قوة مسلحة ضمن هياكل سلطة ما بعد الثورة، تدين بالولاء لتحالف الفساد والاستبداد، وعقيدتها القتالية الانتقام من الشعب ومن ثورته. كان منطقيا أن نتوقع إنقضاض هذا التحالف على الثورة. وهو ما يحدث الآن بالفعل، وابتدأ بمذبحة فض الاعتصام والتي لا توصيف لها سوى أنها جريمة قتل عمد مكتملة الأركان، لا يجب أن نسمح بإفلات من خططها أو نفذها من العقاب.
صحيح أن السودان يمر اليوم بمنعطف هو الأكثر خطورة والأشد وعورة، إذ زُج بالحكمة والتعقل والحس السليم وإعلاء شأن الوطنية وتحقيق الأمل وبناء المستقبل، زُج بكل ذلك في ركن قصي مظلم بينما الأرواح الشريرة، المُتجسدة، تصول وتجول في فضاء الوطن الواسع وتسبح في بحور دماء شهدائه الطاهرة. وصحيح أن هذا الوضع يتطلب إعلاء صوت الحكمة مثلما يتطلب التقدم بمشروع وطني يسع الجميع، من شارك في الثورة ومن لم يشارك، مادام لا يعادي الثورة ولا يحاربها. ولكن هذا المشروع لا يمكن أن يمر مرور الكرام فوق جثث شهداء الثورة، وخاصة شهداء مذبحة الاعتصام. لذلك، القضية الأولى والرئيسة الآن أمام قوى الثورة هي الضغط لأجل تحقيق نزيه ومحاكمة عادلة لكل من ساهم في هذه الجريمة مهما كان موقعه. أما عبارات الحزن والعزاء، فلا تدبيج لها، وكل نواح الآن عقيم، وفارغة هي همهمات الأسى الكسيح، فقط لا صوت يعلو فوق صوت العدالة والقصاص.

القدس العربي 




مواضيع ساخنة اخرى

بومبيو: العقوبات على إيران ناجحة حتى دون مشاركة الأوروبيين
بومبيو: العقوبات على إيران ناجحة حتى دون مشاركة الأوروبيين
ظريف: يمكنني دخول 3 مبان فقط في الولايات المتحدة
ظريف: يمكنني دخول 3 مبان فقط في الولايات المتحدة
شاهد .. البطاينة : رفع مخالفة العامل غير المرخص الى 10 آلاف دينار وكاميرات على أكتاف مفتشي الوزارة
شاهد .. البطاينة : رفع مخالفة العامل غير المرخص الى 10 آلاف دينار وكاميرات على أكتاف مفتشي الوزارة
نتنياهو يتوعد حماس بعملية عسكرية "مؤلمة جدا" في غزة
نتنياهو يتوعد حماس بعملية عسكرية "مؤلمة جدا" في غزة
ترمب عن نائبة ديمقراطية هاجمت بيلوسي: غير محترمة
ترمب عن نائبة ديمقراطية هاجمت بيلوسي: غير محترمة
عباس يشكر بوتين على موقفه الرافض لـ"صفقة القرن"
عباس يشكر بوتين على موقفه الرافض لـ"صفقة القرن"
عسكري أمريكي رفيع يعلق على احتمال شن بلاده حربا على إيران مثل تلك التي أطلقتها في العراق
عسكري أمريكي رفيع يعلق على احتمال شن بلاده حربا على إيران مثل تلك التي أطلقتها في العراق
الرئيس الفلسطيني يجدد رفضه التعامل مع الإدارة الأمريكية
الرئيس الفلسطيني يجدد رفضه التعامل مع الإدارة الأمريكية
الاحتلال يستعد لهجوم واسع ومفاجئ على غزة
الاحتلال يستعد لهجوم واسع ومفاجئ على غزة
ظريف: ادعاءات بريطانيا حول اعتراض قوارب إيرانية لناقلة بريطانية "لا قيمة لها"
ظريف: ادعاءات بريطانيا حول اعتراض قوارب إيرانية لناقلة بريطانية "لا قيمة لها"
تجار سوريا يطلقون مبادرة "عملتي – قوتي"
تجار سوريا يطلقون مبادرة "عملتي – قوتي"
نتانياهو يتعهد بعدم تفكيك أي مستوطنة في الضفة الغربية
نتانياهو يتعهد بعدم تفكيك أي مستوطنة في الضفة الغربية
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ترسل فريقها الجديد للتحقيق باستخدام الكيميائي في سوريا
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ترسل فريقها الجديد للتحقيق باستخدام الكيميائي في سوريا
بالفيديو.. مستوطنون يصادرون منزل عائلة فلسطينية في القدس الشرقية
بالفيديو.. مستوطنون يصادرون منزل عائلة فلسطينية في القدس الشرقية
بالفيديو : قتلى مدنيون بينهم أطفال بقصف للنظام على مخيم نازحين بإدلب
بالفيديو : قتلى مدنيون بينهم أطفال بقصف للنظام على مخيم نازحين بإدلب
اسرائيل تلاحق «أبو عمار» في مثواه الأخير!
اسرائيل تلاحق «أبو عمار» في مثواه الأخير!
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

رسالة الى نتيناهو حول الحمض النووي الفلسطيني


اقرأ المزيد

قائد الحرس الثوري الإيراني: لن نبدأ أي حرب وأخطاء الأعداء في الحسابات ستحول استراتيجيتنا من دفاعية إلى هجومية