Date : 19,05,2019, Time : 01:43:24 PM
2598 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الجمعة 05 رمضان 1440هـ - 10 مايو 2019م 06:12 م

سارقو الزمن.. كيف استبدل التجار المسيحيون دور المرابين اليهود وأسهموا بنشأة إسرائيل؟

سارقو الزمن.. كيف استبدل التجار المسيحيون دور المرابين اليهود وأسهموا بنشأة إسرائيل؟

جى بي سي نيوز :- حرّمت الكنيسة الكاثوليكية الربا في القرون الوسطى استنادا لنصوص الكتاب المقدس، وخاضت البابوية معركة شديدة ضد الربا طوال تلك القرون، وفي مجمع لاتران الثاني الذي عُقد عام 1139م تقرر "أن من يرتكب الربا دون أن يتوب يُحرم من أسرار الكنيسة ولا يدفن في أرض مسيحية".

لكن في الممارسة الواقعية ابتدع المسيحيون في العصور الوسطى طرقا ملتوية لمزاولته، إذ لجأ المصرفيون لتمويه تقاضي الفائدة عن طريق إقراض المال بإحدى العملات ثم تحصيله بعملة أخرى مع وضع سعر صرف معين يسمح للتاجر المصرفي بتحقيق ربح من خلال نسبة مئوية من المبلغ الأصلي، بحسب الباحث المغربي في التاريخ والأنثروبولوجيا التاريخية خالد طحطح.

لكن حلاً آخر لاح في الأفق موفرا العديد من العمليات الحسابية المعقدة، إذ جرى توظيف التجار اليهود للتعامل مباشرة مع كل ما يتعلق بالقروض، فكانوا يقومون بدور الوساطة التجارية فالتوراة تقول في سفر التثنية "للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب"، وهكذا كان مسموحا لليهود بالمراباة مع غير اليهود، واستفاد التجار والمصرفيون المسيحيون من هذه المزية، بحسب البحث التاريخي الذي نشرته دورية أسطور للدراسات التاريخية.

جذور العداء الأوروبي لليهود
وبسبب هذه المزية على وجه التحديد بدأت الصورة النمطية المعادية لليهود بالرسوخ، واشتهر اليهود بالمراباة، وكما يقول جيري بروتون في كتابه عصر النهضة "كانت نزعة هؤلاء المزعومة نحو التمويل الدولي نتيجة مباشرة لنفاق المسيحيين" الذين كانوا يمارسون الربا في الخفاء وباستخدام الحِيَل بينما يستنكرونه في العلن ويلومون اليهود بسببه.

وشكل اليهود ما يسمى جماعات وظيفية وسيطة، إذ كانوا وسطاء ورعايا للنبلاء وأصحاب الأموال والمصرفيين في أوروبا خلال فترة العصر الحديث، ومارسوا الأعمال التي احتاجها البرجوازيون المسيحيون والنخب الاقتصادية المسيحية التي حرصت على توظيفهم في وظائف ضرورية لكنها مشينة من الناحية الدينية ولا يقبلون القيام بها بأنفسهم.

وتطور الوصم المسيحي الأوروبي بحق اليهود بسبب هذه الوضعية وجرى طرد اليهود رسميا من إنجلترا بنهاية القرن الثالث عشر ومن إسبانيا بعد ذلك بقرنين، وأثناء الصراع الكاثوليكي البروتستانتي شملت الاتهامات للمجتمعات اليهودية بخلاف ممارسة الربا، جرائم مثل تسميم الآبار والسحر وخطف الصبيان لأعمال الشعوذة، وأصبحوا مجبرين على وضع شارة صفراء مميزة لهم وغطاء رأس مدبب باعتبار ذلك علامة للخزي والعار، ولم تكن البروتستانتية أكثر تسامحا معهم ففي عام 1514 ادعى مارتن لوثر كينج أن اليهود يمارسون اللعن والتجديف، وهاجمهم بشدة في كتابه "اليهود وأكاذيبهم".

 

وبعد شائعات في ألمانيا عام 1235م بقتل اليهود أطفالا مسيحيين بغرض استخدام دمائهم في طقوس علاجية سحرية جرت مذابح كبيرة ورغم أنهم عاشوا في مجتمعات شبه معزولة، فقد جرى نفيهم من أغلب بلدان أوروبا الغربية في اتجاه الشرق نحو بولندا وروسيا.

وفي الوقت ذاته تعالت الأصوات المحتجة على قيام الصيارفة والمرابين اليهود بفرض فوائد عالية على القروض التي يمنحونها للفقراء مما يزيد فقرهم أكثر، وبنهاية القرن الخامس عشر تشكلت رابطة المزارعين الذين طالبوا بإبادة المرابين اليهود وإلغاء الديون المتأخرة.

سرقة الزمن والإله
شكل التعامل بالربا أحد أسباب عداء الأوروبيين المسيحيين لليهود، فإضافة لتحميل اليهود مسؤولية ما جرى بحق المسيح، فقد أدت ازدهار حركة التجارة والنشاط المصرفي لإدانة المرابين الذي يجنون المال خلال نومهم دون عناء.

واعتبرت إحدى قواعد المسيحية أن مزاولة النشاط هو المقابل العادل لسد الحاجيات و"تثمين العمل"، وفي المقابل كان ينظر للمرابي على أنه سارق الزمن وسارق الإله كما ذكر المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل.

ويقصد بسرقة الزمن أن يلد المال مالا دون جهد كما يجري عند الإقراض بفائدة، فالحصول على فائدة أو ربح يعني أن الذي قدم القرض باع الزمن الذي قدم خلاله القرض، وجعل من المال العقيم بذاته منتجا يتكاثر، وهو بذلك يسرق الإله مالك الزمن الذي لم يعطِ لأحد الحق في بيعه.

وفي هذا السياق، جرى النظر لليهود باعتبارهم لصوص الزمن ومرابين، وهي الصور التي كانت رائجة في الأدب والثقافة الشعبية، ولكن بعد أن انفتح المسيحيون على المعاملات الربوية خلال عصر النهضة وزمن الثورة الصناعية، أصبح اليهود إلى جانب البرجوازيين قوى ذات تأثير ونفوذ.

ولادة المطهّر والمكان الثالث
في القرن الثاني عشر الميلادي بشرت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بفكرة ومعتقد جديد أنتج تحولات اجتماعية واقتصادية كبيرة في المجتمع المسيحي الأوروبي.

يتلخص المعتقد في أن الخطايا تزول بالتطهر في الآخرة، وهو مكان وسيط بين الجنة والنار، وسماه مارتن لوثر لاحقا "المكان الثالث" ويذهب إلى المطهر من يحتاج إلى التكفير عن خطاياه والتخلص من الآثام الصغرى قبل الحصول على الخلاص الأبدي بحسب المعتقد الذي بشر به الكاثوليك ورفضه الأرثوذكس في ذلك الزمن، بحسب الباحث المغربي خالد طحطح.

ورغم أن الفكرة لا توجد في الأناجيل المعتمدة ويحتمل أن تكون جاءت من ديانات مصرية وفارسية قديمة أو حتى فلسفات يونانية، فقد أصبحت شائعة في العصور الوسطى التي امتلك فيها البابوات مكانة دينية استثنائية تشمل منح الصفح لبعض الموتى وبيع المغفرة والخلاص عن طريق صكوك الغفران.

وأسهمت هذه المعتقدات في تنامي الرأسمالية والمنفعة المالية بين أروقة الكنيسة، خاصة بعد أن بدأت الطبقة الجديدة الوسطى في الظهور بين الأسياد والأقنان (العبيد) خلال مرحلة تفكك النظام الإقطاعي، وهي الطبقة البرجوازية.

لكن هذه الأفكار أسهمت في إنقاذ المرابي المسيحي من النار عبر التطهير للتكفير عن ذنب الربا الذي أصبح ذنبا صغيرا لا يمنع صاحبه الجنة، بل يحتاج للتطهر فقط قبل أن ينال المغفرة والخلاص، وكانت هذه الخطوة أول التغيرات الكبرى في مواقف الكنيسة تجاه ممارسة الربا التي كانت محرمة بشدة ولا يمكن تكفيرها بشيء، لكن الكنيسة استجابت لضغوط الواقع وتحولات النظام الاقتصادي المبني على الربا والفائدة خلال عصر النهضة ولم تختر إيقاف الزمن أو التضحية بما اعتبر إنجازات حديثة مثل البورصة والخدمات الائتمانية.

أصبح التجار والمصرفيون المسيحيون يعملون في وظائف الاستثمار ومنح القروض بالفائدة ولم يعد اليهود يحتكرون المجال، وفي المقابل أنفق التجار المسيحيون أموالا على أعمال الخير والصدقات وبناء الكنائس أملاً في التكفير عن ذنوبهم وأملاً في الحصول على الخلاص الذي رفضت الكنيسة منحه للمرابين حتى حدود القرن الـ13.

هكذا نشأت إسرائيل

بعد أن عرفت الجماعات اليهودية في معظم أوروبا بوظيفة التاجر والمرابي وأصبحت مفيدة  للمجتمعات الغربية الإقطاعية، انقلبت الصورة مع ظهور الدول المركزية القومية والنظام المصرفي الحديث وشبكات التجارة العالمية والبورجوازيات المحلية، إذ بدأت الجماعات الوظيفية اليهودية تفقد وظيفتها وأصبح يشار لليهود باعتبارهم شعبا عضويا منبوذا أي أنه شعب يرتبط أعضاؤه برباط عضوي فيما بينهم، بحسب المفكر ومؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية عبد الوهاب المسيري.

وبدأت الفكرة الصهيونية بحسب المسيري تبدو حلا إمبرياليا لأزمة وجود اليهود غير المرغوب فيهم في أوروبا، إذ وجد الأوروبيون الحل في إخراج اليهود من الغرب وتوظيفهم في خدمته ونقل الفائض البشري اليهودي الذي لم يعد له وظيفة في الغرب إلى منطقة إستراتيجية في آسيا وأفريقيا (هي فلسطين) تطل على البحرين الأبيض والأحمر وتقع في قلب العالم العربي والإسلامي والدولة العثمانية، حيث يؤسس دولة استيطانية تضم هذا الفائض البشري وتقوم بوظيفة حيوية، وهي الدفاع عن المصالح الغربية في المنطقة، نظير أن يقوم الغرب بالدفاع عن سكانها وضمان رفاهيتهم وبقائهم واستمرارهم.

المصدر : الجزيرة




مواضيع ساخنة اخرى

كوريا الشمالية: الولايات المتحدة دولة عصابات‎
كوريا الشمالية: الولايات المتحدة دولة عصابات‎
ترامب ينفي وجود خلاف مع مساعديه بشأن إيران
ترامب ينفي وجود خلاف مع مساعديه بشأن إيران
مفاوضات تشكيل حكومة نتنياهو تواجه صعوبة كبيرة
مفاوضات تشكيل حكومة نتنياهو تواجه صعوبة كبيرة
عشراوي: واشنطن رفضت منحي تأشيرة دخول
عشراوي: واشنطن رفضت منحي تأشيرة دخول
السفارة الأمريكية في بغداد تحذر مواطنيها من السفر إلى العراق
السفارة الأمريكية في بغداد تحذر مواطنيها من السفر إلى العراق
الأمين العام للإخوان: التحرك الأمريكي إزاء الجماعة تغطية على "صفقة القرن"
الأمين العام للإخوان: التحرك الأمريكي إزاء الجماعة تغطية على "صفقة القرن"
تحذير إسرائيلي لواشنطن من تفجر الأوضاع بالضفة الغربية
تحذير إسرائيلي لواشنطن من تفجر الأوضاع بالضفة الغربية
أسرة البشير تكلف 4 محامين للدفاع عنه
أسرة البشير تكلف 4 محامين للدفاع عنه
تحذيرات من "حلب جديدة" في إدلب
تحذيرات من "حلب جديدة" في إدلب
سعيدة وارسي: العالم يعج بالطغاة وإسرائيل ليست استثناء
سعيدة وارسي: العالم يعج بالطغاة وإسرائيل ليست استثناء
رئيس الأركان الأميركي: أرسلنا "لينكولن" لردع إيران
رئيس الأركان الأميركي: أرسلنا "لينكولن" لردع إيران
بالفيديو : غارات روسية تستهدف ثلاثة مستشفيات في شمال غرب سوريا
بالفيديو : غارات روسية تستهدف ثلاثة مستشفيات في شمال غرب سوريا
بومبيو: أرسلنا حاملة الطائرات رداً على تصعيد إيران
بومبيو: أرسلنا حاملة الطائرات رداً على تصعيد إيران
نتنياهو: وجهنا ضربة لحماس والجهاد والمعركة لم تنته بعد
نتنياهو: وجهنا ضربة لحماس والجهاد والمعركة لم تنته بعد
مصر.. بماذا وصفت أسرة الرئيس السابق محمد مرسي وضع اعتقاله في محبسه؟ ـ (تغريدة)
مصر.. بماذا وصفت أسرة الرئيس السابق محمد مرسي وضع اعتقاله في محبسه؟ ـ (تغريدة)
مقاتلات إسرائيلية تدمر بناية سكنية من 11 طابقا في غزة
مقاتلات إسرائيلية تدمر بناية سكنية من 11 طابقا في غزة
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :

اضف تعليق

مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

عسكر السودان وعسكر الجزائر


اقرأ المزيد