Date : 17,02,2019, Time : 06:25:10 PM
4519 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الخميس 08 جمادي الآخر 1440هـ - 14 فبراير 2019م 01:03 ص

مصر تنزلق نحو نفق مظلم جديد

مصر تنزلق نحو نفق مظلم جديد
حسن نافعة

لم يعرف عن نظام الحكم الحالي في مصر ولعا خاصا بالدستور، أو حرصا على احترامه والتقيد بمبادئه وأحكامه. فلم تتردد سلطته التنفيذية في انتهاك العديد من نصوصه، خاصة ما تعلق منها بصون الحريات، واحترام حقوق الإنسان الفردية والجماعية، ولم تكتف سلطته التشريعية، التي يفترض أن تكون أكثر الهيئات دفاعا عن الدستور ومطالبة بتطبيقه، بسن القوانين المخالفة لنصوصه وروحه، وإنما راحت تماطل في إصدار التشريعات التي طالب بها الدستور، ويعد بعضها قوانين مكملة له، كقانون العدالة الانتقالية المنصوص عليه في المادة 241، وقانون الإدارة المحلية المنصوص عليه في المادة 181.
ولا شك أنه كان بمقدور هذا النظام مواصلة عبثه المعتاد بالدستور لولا اصدامه بحاجز تعذر عليه تجاوزه أو القفز من فوقه، ألا وهو الحاجز الخاص بفترة الولاية الرئاسية، لذا يمكن القول من دون أي تجاوز أو تطاول، أن رغبة الرئيس السيسي في الاستمرار في الحكم لما بعد نهاية فترة ولايته الثانية، وهو ما يحرّمه الدستور الحالي بشكل قاطع، كان الدافع الرئيسي وراء قرار طلب إجراء تعديلات دستورية، بدأ مجلس النواب في مناقشتها فعلا.
والواقع أنه ما إن بدأ النظام يدرك صعوبة الاستجابة إلى رغبة الرئيس في البقاء في السلطة، إلا عبر تعديل نصوص معينة في الدستور ودخول هذه التعديلات حيز التنفيذ، بعد إقرار الشعب لها في استفتاء عام، حتى قرر أن تكون التعديلات المقترحة أوسع نطاقا وألا تقتصر على النصوص المتعلقة بفترة ومدد الرئاسة. ورغم أن هذه التعديلات تبدو متسقة، من حيث الشكل على الأقل، مع القواعد الإجرائية المنصوص عليها لتعديل الدستور، إلا أنها تنطوي في جوهرها على انتهاكات صارخة ليس فقط لروح الدستور، وإنما للعديد من نصوصه أيضا، وبالتالي فقد تؤدي، في حال إقرارها، إلى التأسيس لنظام سياسي يختلف كليا عن النظام الذي استهدفته لجنة الخمسين التي تولت صياغة الدستور المعمول به حاليا. فهذه التعديلات:
تتيح للرئيس السيسي الترشح لولايتين رئاسيتين جديدتين، مدة كل منهما ست سنوات، وبذلك فسوف يصل إجمالي عدد السنوات التي سيكون بوسع الرئيس الحالي قضاءها في السلطة إلى عشرين عاما. ولأن النصوص الحالية تحرم هذا الأمر تحريما قاطعا، يلاحظ أن الصياغات المقترحة لم تكتف بإدخال تعديلات على نص المادة 140 لإتاحة مدّ فترة الرئاسة إلى ست سنوات بدلا من أربع سنوات، وإنما أضافت ما سمته «مادة انتقالية» نصها كالتالي: «يجوز لرئيس الجمهورية الحالي عقب انتهاء مدته الحالية، إعادة ترشحه على النحو الوارد بالمادة 140 المعدلة» فاتحة بذلك الطريق أمام الرئيس السيسي لحكم مصر حتى عام 2034.
تجعل من القوات المسلحة ليس فقط هيئة مستقلة ومنفصلة كليا عن مؤسسات الدولة، وإنما تجعلها وصيا أيضا على بقية المؤسسات الأخرى. إذ تنص التعديلات المقترحة على المادة 200 من الدستور على «أن القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون وحماية الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات السياسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحريات الأفراد»، كما تنص التعديلات المقترح إدخالها على المادة 224 على حظر تعيين وزير الدفاع إلا «بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة».
تقضي على استقلال السلطة القضائية كليا، وتخضعها تماما لإرادة السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الدولة، ومن ثم تطيح بمبدأ الفصل بين السلطات، أهم ركائز النظم الديمقراطية. فوفقا للتعديلات المقترح إدخالها على المادة 193 «يختار رئيس الجمهورية رئيس المحكمة الدستورية من بين أقدم خمسة نواب، ويعين نائب رئيس المحكمة من بين اثنين ترشح إحداهما الجمعية العمومية، ويرشح الآخر رئيس المحكمة، ويعين رئيس وأعضاء هيئة المفوضين بناء على ترشيح رئيس المحكمة». ووفقا للتعديلات المقترحة على المادة 190 تتقلص صلاحيات مجلس الدولة لتصبح مجرد «الفصل في الدعاوى التأديبية والإفتاء في المسائل القانونية للجهات التي يحددها القانون»، ويتم شطب كل صلاحياته السابقة، خاصة تلك التي تخص «الفصل في المنازعات الإدارية ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه». ووفقا للتعديلات المقترح إدخالها على المادة 189 «يعين رئيس الجمهورية النائب العام من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى من بين نواب رئيس محكمة النقض، الرؤساء بمحاكم الاستنئناف أو النواب العموم المساعدين»، ووفقا للتعديلات المقترح إدخالها على المادة 185 «يعين رئيس الجمهورية رؤساء الجهات والهيئات القضائية من بين خمسة، ترشحهم مجالسها من بين أقدم سبعة من نوابها». الأخطر من ذلك أن التعديلات المقترح إدخالها على هذه المادة نفسها، أي المادة 185، تقضي بـ»تشكيل مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية يترأسه رئيس الجمهورية، وعند غيابه يحل محله وزير العدل، ويختص بالنظر في شروط تعيين أعضاء الجهات والهيئات ويبين القانون اختصاصاته الأخرى!».

ولتسهيل تمرير مقترحات من شأنها تغيير بنية النظام السياسي، كما توافقت عليه ليس فقط قوى ثورة 25 يناير/كانون الثاني، وإنما أيضا القوى التي ساهمت في تفجير انتفاضة 30 يونيو/حزيران، لجأ النظام الحاكم إلى أسلوب تقديم الرشاوي والإغراءات إلى فئات اجتماعية، وربما شخصيات بعينها. فقد تضمنت مقترحات تعديل الدستور إنشاء غرفة ثانية للبرلمان «مجلس شيوخ» يحق لرئيس الجمهورية تعيين ثلث أعضائه، ورفع نسبة تمثيل المرأة إلى 25% من إجمالي مقاعد مجلس النواب، وتعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، الخ. غير أن هذه الرشاوى والإغراءات لم تستطع إخفاء حقيقة أن الدوافع الرئيسية، إن لم تكن الوحيدة، من وراء التعديلات الدستورية المقترحة، هي تمكين السيسي من البقاء في السلطة مدى الحياة، من ناحية، وتمكين المؤسسة العسكرية، من ناحية أخرى، من التحكم في مصائر البلاد والعباد إلى أبد الآبدين.

لا أعتقد أنني في حاجة إلى إثبات بطلان التعديلات الدستورية المقترحة، وبالتالي بطلان كل ما يترتب على إقرارها من آثار، لأن هذا هو في الواقع رأي أغلب الفقهاء الدستوريين المستقلين. صحيح أن الدستور الحالي، الذي انتخب رئيس الدولة على أساسه، وأقسم على احترامه، لا يمنع من إدخال تعديلات عليه، لكن وفق إجراءات وضوابط معينة، نصت عليها المادة 226 ولا تتوافر في التعديلات المقترحة التي تناقش حاليا داخل مجلس النواب. فوفقا لهذه المادة «يمكن لرئيس الجمهورية أو لخمس أعضاء مجلس النواب طلب تعديل مادة أو أكثر.. ويناقش مجلس النواب اقتراح التعديل خلال 30 يوما من تاريخ تسلمه، ويصدر قراره بقبول طلب التعديل كليا أو جزئيا بأغلبية أعضائه، وإذا رفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل حلول دور الانعقاد التالي، وإذا وافق المجلس يناقش نصوص المواد المطلوب تعديلها بعد 60 يوما من تاريخ الموافقة، فإذا وافق على التعديل ثلثا أعضاء المجلس عرض على الشعب لاستفتائه خلال 30 يوما». إلى هنا تبدو التعديلات المقترحة وكأنها تسير في طريقها المرسوم والصحيح من الناحية الإجرائية. غير أن هذه المادة تضع في الوقت نفسه قيودا واضحة على ما ينبغي أن يكون عليه مضمون التعديلات المسموح بإدخالها على الدستور، حيث جاء نص فقرتها الثانية كالتالي: «وفي جميع الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية والمساواة ما لم يكن التعديل متعلقا بالمزيد من الضمانات». ولا يحتاج المرء إلى مؤهلات من نوع خاص لاستخلاص أن التعديلات المقترحة تنتهك هذه الضوابط من زوايا عديدة تبدو واضحة كسطوع الشمس. لذا يعتقد على نطاق واسع أن إقرارها من جانب مجلس النواب سيشكل انتهاكا صريحا للدستور، الأمر الذي سيترتب عليه حتما بطلان قرار الرئيس دعوة المواطنين إلى الاستفتاء على هذه التعديلات، وهو بالمناسبة قرار إداري وليس سياديا,وفق القدس العربي .
لا شك أن أجهزة الدولة المصرية تملك من أدوات الضغط والإكراه ما يمكنها من فرض هذه التعديلات، حتى في حالة رفضها فعليا من جانب أغلبية الناخبين في صناديق الاقتراع، لكن النظام الحاكم سيكون حينئذ قد ارتكب خطيئة كبرى وقرر عامدا متعمدا إدخال البلاد في نفق طويل مظلم لا يعلم أحد متى وكيف يمكنها الخروج منه.
كاتب مصري




مواضيع ساخنة اخرى

رئيس هيئة الأركان اليمني: لن نسمح بوجود موطئ قدم لإيران
رئيس هيئة الأركان اليمني: لن نسمح بوجود موطئ قدم لإيران
الحريري عن زيارته "الأسد" بـ2009: مصافحة قاتل والدي ذبحتني
الحريري عن زيارته "الأسد" بـ2009: مصافحة قاتل والدي ذبحتني
رئيس حكومة تونس: علاقتي مع السبسي "معقدة أحياناً"
رئيس حكومة تونس: علاقتي مع السبسي "معقدة أحياناً"
بالفيديو : 20 قتيلًا من الشرطة الهندية في تفجير بكشمير
بالفيديو : 20 قتيلًا من الشرطة الهندية في تفجير بكشمير
روحاني أمام أردوغان: مستعدون لتوثيق علاقة أنقرة بدمشق
روحاني أمام أردوغان: مستعدون لتوثيق علاقة أنقرة بدمشق
هيئة النزاهة : لا شبهات فساد في "أسهم الملكية"
هيئة النزاهة : لا شبهات فساد في "أسهم الملكية"
بومبيو من وارسو: 70 دولة تدعم جهود أمريكا في الشرق الأوسط
بومبيو من وارسو: 70 دولة تدعم جهود أمريكا في الشرق الأوسط
الاردن .. توقع بيع 350 ألف وردة في عيد الحب
الاردن .. توقع بيع 350 ألف وردة في عيد الحب
بعد سنوات على غرقه.. رسالة من عمة الطفل الذي هز العالم
بعد سنوات على غرقه.. رسالة من عمة الطفل الذي هز العالم
بالفيديو :  لحظة تفجير سيارة مفخخة عند الحدود السورية التركية
بالفيديو : لحظة تفجير سيارة مفخخة عند الحدود السورية التركية
هيئة سودانية: الأمن يعتقل عددا من أساتذة الجامعات والإعلاميين
هيئة سودانية: الأمن يعتقل عددا من أساتذة الجامعات والإعلاميين
بالصور ..الملك سلمان: ندعم دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية
بالصور ..الملك سلمان: ندعم دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية
جنرال أميركي:من المحتمل سحب قواتنا من سوريا خلال أسابيع
جنرال أميركي:من المحتمل سحب قواتنا من سوريا خلال أسابيع
أبو الغيط: لا توافق بعد بشأن عودة سوريا للجامعة العربية
أبو الغيط: لا توافق بعد بشأن عودة سوريا للجامعة العربية
بالصور : شبان يرافقون أطفال الخليل للمدارس بعد مغادرة المراقبين
بالصور : شبان يرافقون أطفال الخليل للمدارس بعد مغادرة المراقبين
الجيش الإسرائيلي يشرع في إجراءات لهدم منزل فلسطيني بالضفة
الجيش الإسرائيلي يشرع في إجراءات لهدم منزل فلسطيني بالضفة
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

عن ترامب وجدار المكسيك والعرب


اقرأ المزيد