Date : 16,02,2019, Time : 07:57:17 PM
2932 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الثلاثاء 06 جمادي الآخر 1440هـ - 12 فبراير 2019م 01:13 ص

عقود الحكم في مصر من التنحي إلى التفويض

عقود الحكم في مصر من التنحي إلى التفويض
القدس العربي

«الذي يفعله الكبار مع الثوار هو أنهم يضعون لهم الحصى في الحلة فوق النار ويغنون لهم»ماما زمانها جاية «حتى يناموا»، هذا ما كتبه الساخر جلال عامر بفلسفته الخاصة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 عن الأوضاع بعد شهور من ثورة 25 يناير/كانون الثاني، حين كانت وعود يناير عاملا أساسيا للوجود في المشهد السياسي، وتحول إعلان الانتماء إليها، على غير الحقيقة في معظم الأحيان، إلى وسيلة للشرعية، قبل الانقلاب عليها وتحول العداء إلى عامل لكسب الاهتمام وتثبيت المكانة.
وإن كنا نعيش أجواء ذكرى تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، الذي حدث في 11 فبراير/شباط 2011، على واقع «لا صوت يعلو فوق صوت تعديل الدستور»، وإعادة غناء «اخترناه» التي ارتبطت بعقود مبارك، بطريقة تتناسق مع اللحظة وحاكم الضرورة – المنقذ، من أجل ضمان عقود حكم إضافية للرئيس عبد الفتاح السيسي، فإن مقولة عامر مهمة، لأنها تعيد التذكير بما تعرضت له ثورة يناير من حروب وهجمات تكتيكية واستراتيجية من أجل العودة إلى ما قبلها.
مع التحول التدريجي إلى واقع ما قبل يناير، والتحول من الثناء عليها إلى مهاجمتها علنا، شهد الواقع حدوث الكثير من التطورات التي تصب في صالح السلطة، وتؤمم المزيد من مساحات الحرية التي اكتسبت بعد يناير، من أجل استبعاد حدوث ثورة جديدة، حتى إن استمرت أسباب الثورة قائمة.
ومن خلال تعديل الدستور، الذي تتركز الجهود على ما يبدو في الاستفتاء عليه قبل ذكرى 30 يونيو/حزيران 2019، يتم الحفاظ على كل التطورات التي حدثت بعد يناير، مع إعادة شكل الحكم إلى ما كان قبلها، حيث يستمر الحاكم لعقود، مستمتعا بالقدرة على البقاء الممتد بدون محاسبة، والتعامل مع كل ما حدث من بداية حكمه حتى لحظة تعديل الدستور من سياسات صعبة باعتبارها سياسات واليآت مقبولة، وغيرها مرحب به وغير قابل للنقاش باسم التفويض الممتد، وإمكانية الحديث عن الخضوع لرغبة الجماهير التي طالبت ووافقت على تعديل الدستور من أجل مطالبة السيسي بالبقاء في السلطة بعد مرور المدة الثانية والأخيرة وفقا لدستور 2014، كما حدث في حديث التفويض الرئاسي الأول.
في مقاله أضاف عامر، «تركنا مبارك عرايا واكتسى هو.. جوعى وشبع هو.. فقراء واغتنى هو.. مرضى وعولج هو، وعندما قمنا بالثورة لنحقق العدل تحقق له هو ووضعوا لنا الحصى في الحلة»، وهكذا نتذكر أن العدالة الانتقائية التي تعامل بها مبارك في حكمه، وغابت عن عموم الوطن، لم تتحقق لأحد ما بعده أيضا من عموم الشعب، ولكنه استفاد منها ومن شبكة العلاقات التي تكونت خلال حكمه. وفي حين استطاع مبارك أن يقيم في مستشفى يتمتع بخدمات وإمكانيات لا يحصل عليها أحد من عامة الشعب، ويستقبل الوفود الداعمة من الداخل والخارج، ويسمح له بتحية الجماهير، التي استمرت تحتفل بعيد ميلاد الأب، كما يقال بالمخالفة لحقيقة عالم الحكم والسياسة، ورغم الجوع والفقر والمعاناة، وينظر للأحداث والمستقبل ويعبر عن خيبة الأمل، كما قيل لنا عبر تسريبات صحافية ولقاءات مباشرة، استمر المواطن في معاناته التي تعاظمت خلال السنوات، وتشير الدلائل على استمرارها لسنوات أخرى، في ظل تزايد القروض وفوائدها، والمشاريع الضخمة وشد الحزام، والقمع المبرر باسم محاربة أهل الشر والحرب المفتوحة على الإرهاب.
في الوقت نفسه، لم يحصل السجناء من خارج دائرة نظام مبارك في الغالب على أبسط القواعد الإنسانية، ناهيك عن الالتزام بالمعايير القانونية، ولم يستطع البعض الحصول على العلاج، أو الوصول للمستشفيات المفترضة، التي هي أقل في الإمكانيات والتكاليف من تلك التي كلفها مبارك لخزانة الدولة المصرية، وصولا إلى غياب المحاكمات العادلة، وعدم ترك الفرصة للسجناء للحديث، كما فعل مع مبارك ورجال حكمه في قاعة المحكمة باسم العدالة. وظهر الاختلاف في التعامل واضحا في الإخلال بالتساوي أمام القانون، بين متهم بدرجة رئيس سابق – مخلوع أو متنح هو مبارك، والتعامل مع متهم آخر بدرجة رئيس سابق- مقال هو محمد مرسي، سواء في خطوات القبض عليه والتعامل معه خلال تلك الفترة، أو الوصول إلى المحكمة، أو الوقوف في قفص الاتهام وطبيعته، وصولا إلى الكثير من التفاصيل الأخرى.

وفي حين تظل قضية الدولة المدنية وسيادة القانون أساسية من أجل مصر ديمقراطية، جاءت المحاكمات لتبرز كيف يرى البعض ما يحدث بوصفه إفرازا طبيعيا يؤكد على أهمية استمرار الطبقية، واعتبر البعض أن مظاهر الاختلاف القائمة في المحاكمات تعبير عن الطبقة التي ينتمي لها كل طرف في المعادلة، وحقيقة أن مبارك وأسرته لهم مكانة اجتماعية وخبرة في السلطة لا تتساوى مع مرسي ومن معه، في تعامل لا يختلف عن الاحتفال بعيد ميلاد مبارك، والاعتذار له، وقبول أن تكون القاعدة هي عدم المساواة أمام القانون وفي الفرص، لأن البشر لا يتساوون في الواقع، هكذا يدشن البعض من الطبقات العليا والدنيا استمرار حالة الطبقية، ومعها السياسات القائمة ومصر الأكثر قبحا.

غابت العدالة بشكل واضح أيضا عن بعض التغطيات الإعلامية، التي ساهمت في تجهيز البيئة اللازمة لعدم محاسبة مبارك، حيث حرصت على استخدام الوقت ما بين تنحيه وظهوره، في ما سمي بمحاكمة القرن، في كتابة العديد من التقارير والأخبار التي هدفت إلى خلق حالة من التعاطف مع الأسرة، وبشكل خاص مع مبارك الأب، عبر التأكيد أنه لم يعرف بما كان يحدث، وأنه وجه اللوم إلى أفراد الأسرة وغيرهم عما حدث، وغيرها من التقارير التي ساهمت في توفير بيئة غير عادلة للمحاكمة التي ساعد الوقت والإداء على أن تتحول إلى شيء آخر غير محاكمة نظام ما قبل ثورة يناير، قبل أن يتحول الوضع العام إلى محاسبة يناير نفسها والتجاوز عما كان قبلها، لأن المشكلة أصبحت في العلاج الذي مثلته الثورة، كما قال السيسي وليس المرض الذي يمثله أسلوب الحكم القائم وغياب المحاسبة. ومع غياب المحاسبة كان الطبيعي أن تتراجع وعود يناير، وتتراجع محاولة الانتماء الشكلي لها، وعودة من كان في معسكر حكم مبارك إلى الواجهة، بعد أن أصبحت الفرصة معدة وتم الخلط بشكل واضح بين يناير، وكل ما كشفت عنه من فساد من جانب، وما نتج عن سوء الإدارة بعدها من انعكاسات، والثمن الذي تكلفته بسبب تلك الخيارات من جانب آخر. تم الخلط بشكل مقصود بين فعل الثورة بوصفها عاملا كاشفا، والثورة بوصفها عاملا مسببا، وهو الخلط الذي استمر قائما ويتم استخدامه لتبرير الأوضاع الاقتصادية الصعبة، رغم السنوات التي مرت علي يناير، والقروض وفوائدها المتزايدة، بدون أن تتم محاسبة المشاريع التي تنفذ والتي تغيب عنها دراسات جدوي حقيقية – إن وجدت- في ظل تأكيدات الرئيس أنها رفاهية غير مطلوبة، والتركيز على المؤتمرات والتحركات الخارجية والكثير من الخطوات التي تتضمن تكاليف لا يعرف المواطن حقا ما هو المردود الاقتصادي لها، رغم حرص النظام على تقديمها بوصفها إنجازات تبرر البقاء لعقود مقبلةووفق القدس العربي .
يتم تقديم ما يحدث على أنه تعديل للدستور القائم من أجل تسريع الوصول إلى الصيغة الجديدة للدستور المفترض والدعوة للاستفتاء، في حين أن الدستور نفسه يؤكد أن تلك الخطوات غير دستورية، لأنه لا يسمح بإجراء تعديلات تمس إعادة انتخاب الرئيس، أو مبادئ الحرية والمساواة، ما لم تكن تزيد من الضمانات القائمة (المادة 226)، وهو ما يتناقض مع الهدف الأساسي من»التعديلات» المعلنة، التي تهدف إلى زيادة ضمانات السلطة، ومدة البقاء في الحكم، والتحكم في تطور الحياه السياسية في الحاضر والمستقبل. وبهذا كما تتم إعادة تعريف كل المفاهيم الكبرى، والخلط بين ما كشفته ثورة يناير وقيمتها، يتم الخلط بين كتابة دستور له مبادئ جديدة مختلفة عن روح الدستور القائم، وتعديل الدستور من أجل اختصار وقت النقاش المفترض، وضمان سرعة تمرير النسخة المعدلة/الجديدة، والحفاظ على فكرة التفويض التي تربط بين التغييرات والمطالب الشعبية والبرلمانية، وتدشن للحظة إعلان الرئيس استمراره تماشيا مع رغبات الجماهير المفوضة.
في ذكرى التنحي نقف في مواجهة التفويض، ويخرج من وقف ضد يناير للدفاع عن دستور التفويض، ولوضع المسمار الأخير – من وجهة النظر تلك-في نعش ثورة يناير قبل ذكرى 30 يونيو، التي تتحول إلى الثورة الوحيدة القائمة، والمرجعية التي تستند إلى فكرة المنقذ، وتزيد من الخطوات التي نبتعد بها عن أهداف يناير، من أجل عالم الفرد الواحد المفوض وإعلام الستينيات الجميل، والحزام المتوارث، والقروض المتزايدة وخطاب الشعب العظيم في الطوابير المؤيدة، أمام لجان الاستفتاء المقبلة، وحديث الإنجازات التي يجب أن تستمر من أجل الشعب، رغم المعاناة التي يدفع هذا الشعب نفسه ثمنها.
كاتبة مصرية




مواضيع ساخنة اخرى

الحريري عن زيارته "الأسد" بـ2009: مصافحة قاتل والدي ذبحتني
الحريري عن زيارته "الأسد" بـ2009: مصافحة قاتل والدي ذبحتني
رئيس حكومة تونس: علاقتي مع السبسي "معقدة أحياناً"
رئيس حكومة تونس: علاقتي مع السبسي "معقدة أحياناً"
بالفيديو : 20 قتيلًا من الشرطة الهندية في تفجير بكشمير
بالفيديو : 20 قتيلًا من الشرطة الهندية في تفجير بكشمير
روحاني أمام أردوغان: مستعدون لتوثيق علاقة أنقرة بدمشق
روحاني أمام أردوغان: مستعدون لتوثيق علاقة أنقرة بدمشق
بومبيو من وارسو: 70 دولة تدعم جهود أمريكا في الشرق الأوسط
بومبيو من وارسو: 70 دولة تدعم جهود أمريكا في الشرق الأوسط
الاردن .. توقع بيع 350 ألف وردة في عيد الحب
الاردن .. توقع بيع 350 ألف وردة في عيد الحب
هيئة سودانية: الأمن يعتقل عددا من أساتذة الجامعات والإعلاميين
هيئة سودانية: الأمن يعتقل عددا من أساتذة الجامعات والإعلاميين
بالصور ..الملك سلمان: ندعم دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية
بالصور ..الملك سلمان: ندعم دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية
جنرال أميركي:من المحتمل سحب قواتنا من سوريا خلال أسابيع
جنرال أميركي:من المحتمل سحب قواتنا من سوريا خلال أسابيع
أبو الغيط: لا توافق بعد بشأن عودة سوريا للجامعة العربية
أبو الغيط: لا توافق بعد بشأن عودة سوريا للجامعة العربية
بالصور : شبان يرافقون أطفال الخليل للمدارس بعد مغادرة المراقبين
بالصور : شبان يرافقون أطفال الخليل للمدارس بعد مغادرة المراقبين
الجيش الإسرائيلي يشرع في إجراءات لهدم منزل فلسطيني بالضفة
الجيش الإسرائيلي يشرع في إجراءات لهدم منزل فلسطيني بالضفة
الأمن : سنتخذ الاجراءات القانونية بحق منشئ صفحة jordan law على فيس بوك
الأمن : سنتخذ الاجراءات القانونية بحق منشئ صفحة jordan law على فيس بوك
بومبيو: نبحث طرد أبناء المسؤولين الإيرانيين من أميركا
بومبيو: نبحث طرد أبناء المسؤولين الإيرانيين من أميركا
شاهد بالفيديو .. احتجاجات في الرقة تندد بـ"العدوان الأمريكي"
شاهد بالفيديو .. احتجاجات في الرقة تندد بـ"العدوان الأمريكي"
استياء لدى المسلمين بالنمسا لإلغاء كلمة الإسلام من الشهادات المدرسية
استياء لدى المسلمين بالنمسا لإلغاء كلمة الإسلام من الشهادات المدرسية
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

تأجيل بحث "تعديلات دستورية" تعيد ترشيح البشير


اقرأ المزيد