Date : 23,01,2019, Time : 11:49:09 AM
2490 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الاثنين 29 ربيع الثاني 1440هـ - 07 يناير 2019م 12:02 ص

الشباب والتغيير في السودان

الشباب والتغيير في السودان
الشفيع خضر سعيد

من البديهيات التي يشهد بها تاريخ الثورات في العالم، وتاريخ انتفاضات تشرين الأول/اكتوبر 1964 ونيسان/ابريل 1985 وأيلول/سبتمبر 2013 وكانون الأول/ديسمبر 2018 في السودان، أن الشباب هم مشعلو شرارة الثورات، وهم المحرك الأساسي للشارع الثائر. وإذا كنت محظوظا ورأيت ملمحا من بطولات هؤلاء الشباب في شوارع السودان الثائرة اليوم، كذاك الشاب الذي فتح صدره أمام الجند المدجج استعدادا لتلقي الرصاصة وهو يهتف بشعارات الانتفاضة، أو تلك الصَبِيَّة وهي في قبضة جند النظام، يوسعونها ضربا وشتما وهي تهتف مطالبة بالتغيير، لأدركتَ سر الوهم الكبير عند من يعتقد أن القمع وحشد العتاد الحربي، كفيل بإطفاء جذوة الحراك الشبابي وهو ينتفض ضد تحالف الفساد والاستبداد، ولتأكد لك أن هؤلاء الشباب خرجوا إلى الشوارع احتجاجا، ضد الجوع وأسبابه، وضد الذل والمهانة وهدر الكرامة، ولن يرهبهم أن الحكومة أعدت لهم ما استطاعت من قوة ومن رباط الخيل..!.
وشباب سودان اليوم، ليس نسيجا وحده، إذ تشكل وعيه في دروب حدة الصراع السياسي الاجتماعي وحراك المجتمع المدني في البلد، ووجوده المستقل عن المواقع المتنفذة، في الحكم وخارجه، يسمح له بالرؤية الناقدة، كما إن تطلعه نحو الأفضل يؤهله ليكون خالق البدائل الأكثر انسجاما مع المستقبل. وهو، مثل أنداده في تونس ومصر وليبيا واليمن، ينتفض مطالبا بإصلاح السياسة والاقتصاد، فتتبلور عنده شعارات الحرية والكرامة والتغيير، مجددا بثورية خلاقة وعي المكونات السياسية القائمة، وفي نفس الوقت مكتسبا وعي الحكمة من هذه المكونات، دافعة إما إلى تجددها أو تخلق مكونات وأحزاب جديدة.
بعد أحداث أيلول/سبتمبر 2013 الدامية، حيث الجريمة النكراء التي لن تغتفر تجاه الشباب المنتفض، عندما اقتنصت ميليشيات تحالف الفساد والاستبداد أرواح أكثر من مئتي شاب وصبي يافع، ومثلما كان أسلاف أولئك المنتفضين، من شباب ستينات القرن الماضي، يضغم رؤيته السياسية في شعار يكتبه على جداريات المنازل آنذاك، كتب هؤلاء الشباب الموهوبين في جداريات التغيير الجديدة «الفيسبوك»، فاتفقوا واختلفوا، ولكنهم اجمعوا على شيء واحد: رفض الذل والمهانة، وأنهم لن يرضوا بغير الحياة الحرة الكريمة في وطن ديمقراطي يسع الجميع. هؤلاء الشباب، نموا وترعرعوا في ظل الإنقاذ، قاوموا غسيل المخ وكل محاولات الصبغ بلون واحد. وكانوا، كلما دوى إنفجار إحدى القنابل الموقوتة للحياة اليومية، يطيرون إلى الفضاء الاسفيري، يبنون ممالك المستقبل والرؤى المختلفة والتعايش السلمي، يعبرون فيها عن كل تطلعاتهم المشروعة، وهي نفسها التي نادتهم إلى النزول في الشوارع عدة مرات، عزلا إلا من سلاح النوايا الطيبة والايمان بضرورة التغيير، والاعتقاد بأن الدستور يحميهم، ليواجهوا بعنف خائف مرتعب تماما، يطلق الرصاص على الجميع حتى الذين ظلوا يراقبون الأحداث من عتبات بيوتهم.

وشباب السودان، اجتاحتهم وجعة العيشة المزرية لأسرهم وهم يعانون الغلاء وتردي الخدمات، والفقر المدقع، ورغما عن ذلك تقتطع هذه الأسر من لحمها ودمها لتعليمهم وتوفير ضروريات الحياة لهم. وشبابنا، باعتبارهم الشريحة الأكبر عددا في المجتمع، والأشد قلقا تجاه المستقبل، والأكثر نشاطا من أجل تغيير الواقع لصالح غد أفضل، هم دائما في عمق الحدث وفي قلب الثورات والانتفاضات. لكنهم عندما تظاهروا عدة مرات في الشوارع، ومارسوا الاعتصام والاحتجاج في العاصمة ولقاوة وبورتسودان والقضارف والمناصير وعطبرة ومدني، يقدمون الشهيد تلو الشهيد..، لم يتحركوا انتصارا لهذا الحزب أو ذاك، وقطعا لم يكونوا طامعين في كراسي الحكم، ولكنهم رفعوا شعارات التغيير لأوضاع الشعب المزرية، وضرورة أن يتخطى السودان خط الفقر ودائرة العنف السياسي والإثني، إلى رحاب الحياة الديمقراطية التي تقبل الجميع. كما عبروا عن مطالبهم في تنسم مناخ الحرية، وفي العيش والدراسة بكرامة وفي أجواء خالية من الوجل أو الخوف. ولما كان واقع السودان يحمل نذر البطالة والعطالة واحتكار الفرص في سوق العمل واحتمالات التهميش، فقد إنتبه الشباب إلى ضرورة التغيير حتى لا يرهنوا حاضرهم ومستقبلهم لخيارات البحث عن المنافي أو المخدرات.
أنظمة الفساد والاستبداد تسعى إلى أن يصبح الوطن حكرا فقط لشباب يصفق للحكومة. وهي تظل تخشى شريحة الشباب وتعمل على الحد من قدراتها، أو محاولة ترويضها، تارة عبر الرقابة البوليسية اللصيقة لسلوك وتصرفات هذه الشريحة، وكأن الأصل فيهم هو الانحراف وغياب التربية الأسرية، وهذا غير صحيح. وتارة عبر خنق النشاط الطلابي في الجامعات، وتغذية عقول منسوبي الحكومة من الشباب والطلاب بضرورة التصدي بالعنف للمجموعات المعارضة، فتحولت الجامعات إلى مقاصل للرأي الآخر، مثلما تحولت المساجد في الجامعات إلى مخازن للسلاح، الأبيض والناري! إن شبابنا ليسوا هم الغزاة الجدد للبلاد، وليسوا هم أعداء الوطن والشعب، وإنما هم فعلا نصف الحاضر وكل المستقبل. ومن حقهم أن يدافعوا عن مستقبلهم ومستقبل أسرهم، ولا أعتقد أن الإرهاب والقمع وسفك الدماء سيضعف من عزيمتهم. وهؤلاء الشباب، يدركون، بكل وعي وإخلاص، أن الوطن يحتاج إلى قيادة حكيمة تراعي تنوعه وتباينه، وتُفجّر مساحات الأمل والمستقبل ليرتادها الجميع، وليساهم الشباب بسواعدهم الفتية وعقولهم النيرة، في بناء الوطن. ومثلما، لا مستقبل لنظام حكم يخشى الحريات، فأيضا لا مستقبل لنظام حكم يخاف الشباب ويقتلهم. أما الذين يتحدثون عن إنعدام الخبرة في الشباب وعدم قدرتهم على تسنم القيادة، فهذا حديث لا علاقة له بالواقع الجديد في الدنيا، واقع عصر الثورة التكنولوجية، الذي فجر إنقلابا معرفيا في كل الميادين، بما فيها دور الشباب.
التغيير لا يعرف المستحيل…، هكذا يثبت التاريخ ويؤكد الحاضر. فمهما بلغت أنظمة الاستبداد من قوة البطش وإمكانية السيطرة على مفاتيح الحراك الشعبي، فإنها لن تمنع الانفجار، الناتج الوحيد والحتمي للانسداد. وهي أنظمة إذ ترتعب من شعوبها، وتتمزق داخليا بهذا الرعب، فإنها أعجز من أن تصمد أمام شعب كسر حاجز الخوف وأجمع على التغيير.

القدس العربي 




مواضيع ساخنة اخرى

تقرير أمني تركي: "غولن" منظمة إرهابية تهدد السلام والأمن الدوليين
تقرير أمني تركي: "غولن" منظمة إرهابية تهدد السلام والأمن الدوليين
اليمن.. إحصائية مفزعة عن انتهاكات الحوثيين في تعز
اليمن.. إحصائية مفزعة عن انتهاكات الحوثيين في تعز
إصابة أكثر من 100 أسير فلسطيني في "عوفر"
إصابة أكثر من 100 أسير فلسطيني في "عوفر"
إيران تعلن استعدادها للرد على أي تهديد إسرائيلي
إيران تعلن استعدادها للرد على أي تهديد إسرائيلي
لافروف: عودة اللاجئين السوريين تحتاج مزيداً من الجهود
لافروف: عودة اللاجئين السوريين تحتاج مزيداً من الجهود
ميستو : المطار الاسرائيلي مخالف للمعايير الدولية .. والاردن يرفض اقامته
ميستو : المطار الاسرائيلي مخالف للمعايير الدولية .. والاردن يرفض اقامته
النظام السوري: الدفاع الجوي تصدى لمقاتلات إسرائيلية
النظام السوري: الدفاع الجوي تصدى لمقاتلات إسرائيلية
وزير يمني: 12 مليون شخص مهددون بالمجاعة القاتلة
وزير يمني: 12 مليون شخص مهددون بالمجاعة القاتلة
بوش الابن يقدم لحراسه بيتزا بدلا من الراتب
بوش الابن يقدم لحراسه بيتزا بدلا من الراتب
اسرائيل تقرر إغلاق مدارس الاونروا في القدس
اسرائيل تقرر إغلاق مدارس الاونروا في القدس
الدفاع التركية: فصل 15213 عسكريا منذ 2016
الدفاع التركية: فصل 15213 عسكريا منذ 2016
شمول جميع مخالفات السير والشيكات بمشروع قانون العفو العام
شمول جميع مخالفات السير والشيكات بمشروع قانون العفو العام
ترامب: لم يفعل رئيس أمريكي للولايات المتحدة ما فعلته أنا خلال سنتين
ترامب: لم يفعل رئيس أمريكي للولايات المتحدة ما فعلته أنا خلال سنتين
صناديق تسليف النفقة للمطلقات قريباً بالمحافظات  - تفاصيل
صناديق تسليف النفقة للمطلقات قريباً بالمحافظات - تفاصيل
"حماس": إسرائيل غير جاهزة لصفقة تبادل أسرى جديدة
"حماس": إسرائيل غير جاهزة لصفقة تبادل أسرى جديدة
بيلوسي ترد على ترامب: لم نكن ننوي زيارة مصر... بل لقاء قادة عسكريون وتبادل معلومات استخباراتية
بيلوسي ترد على ترامب: لم نكن ننوي زيارة مصر... بل لقاء قادة عسكريون وتبادل معلومات استخباراتية
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :

اضف تعليق

مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

لجنة حماية الصحافيين تندد بسحب السودان تراخيص صحافيين


اقرأ المزيد