Date : 24,06,2019, Time : 11:49:03 AM
3817 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الأربعاء 26 ربيع الأول 1440هـ - 05 ديسمبر 2018م 12:35 ص

الجانب الخفي والقاتم للعولمة

الجانب الخفي والقاتم للعولمة
مدى الفاتح

يتبادر إلى الذهن كثير من المعاني الإيجابية حينما نسمع كلمة “العولمة” التي ارتبطت بتسهيل عمليات التواصل البشري والتطور التكنولوجي، الذي أدى للانتقال من زمن الخطابات التي تأخذ أياماً وأسابيع كي تصل إلى هدفها، هذا إن وصلت، إلى زمن الرسالة الآنية، التي تصل قبل أن يرتد إلينا طرفنا.
لا شك بأن العولمة وما ارتبط بها من انفتاح وسعت مدراكنا ومصادرنا للمعلومات بحيث لم تعد الشعوب رهينة للقنوات التلفزيونية المحلية المحدودة ولا الإعلام الموجه، بل صارت تملك خيارات لا تنتهي للحصول على المعلومة المنشودة، بدءاً بالقنوات العالمية التي تصل عابرة كل الحدود، ونهاية بجهاز الهاتف المحمول، الذي ينقل لك وأنت في مكانك كل ما تحتاجه وتبحث عنه من أفكار.
إلا أن هذا ليس الجانب الوحيد للعولمة، بل تظل هناك جوانب أخرى أقل ظهوراً، لعل أخطرها هو السؤال الفلسفي عن معنى عولمة العالم، أو تحول الكوكب لقرية صغيرة مترابطة لا يخفى فيها سر. كثيراً ما يحبذ نقاد العولمة الإشارة إلى انتشار النمط الأمريكي للوجبات السريعة، وهو مثال جيد للمخاطر التي تقودنا نحوها العولمة، التي نمضي إليها وكأننا تحت التخدير، فالجميع يعلم أن هذه الوجبات بقيمة صحية ضئيلة وأضرار غير خافية، لكنها في الوقت ذاته تتزايد وتتضاعف وتنتشر عبر كل الدول والقارات، بشكل لا يستثني إلا قليلاً جداً من المناطق حول العالم. لكن المسألة لا تتعلق فقط بمجرد أكلات ضارة أو وجبات سريعة قد تقود إلى المرض أو السمنة، أو بنمط غذاء خاص أصبح بشكل غريب مقبولاً عالمياً، بل هي تتعدى ذلك لما هو أكبر بكثير. في مثال النمط الغذائي يمكن القول إن تسمية العولمة هي تسمية مضللة بحد ذاتها، حيث لا يكمن الحديث هنا عن اتفاق عالمي أو توافق على نشر غذاء معين، بقدر ما يكون في حقيقته المجردة انتشاراً لثقافة غذائية تابعة لدولة مسيطرة على القرار الدولي (الولايات المتحدة).
حتى هنا لا يستدعي الأمر دق جرس الإنذار، فإذا كتب للنمط الغذائي الأمريكي النجاح والانتشار، رغم ما يتسبب به من أضرار صحية، فهذا أمر لا يضايق كثيراً، حيث يلعب المستهلك الذي يتوجب عليه التحكم في خياراته في هذا الدور الأكبر، لكن العولمة ليست مجرد انتشار إنترنت أو تنميط للثقافة الغذائية، بقدر ما أنها مجموعة من القيم التي يتم غرسها في كافة مناحي الحياة، باعتبارها قيماً عالمية. الحقيقة أن هذه القيم ليست سوى قيم غربية تبنتها بعض الدول الكبرى، ثم رأت وجوب استخدام قوتها الثقافية الناعمة جنباً إلى جنب مع قوتها السياسية والاقتصادية من أجل نشرها على أوسع نطاق ممكن. لكن هل سيبدو العالم بشكل أفضل، إذا تم إلغاء جميع الاختلافات الثقافية، وصارت جميع الشعوب تحمل الهوية ذاتها وطريقة العيش نفسها وأسلوب الحياة ذاته؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال في ما يتعلق بالعالم، يمكننا أن نكتفي بتسليط الضوء على المثال الأوروبي، الذي تم التجريب فيه بنجاح أن تنتهي الحدود والفوارق، وأن يتم التوصل لحالة من التطابق السياسي والاقتصادي غير المسبوقة التي لم تصل إليها أي مجموعة من الدول، لاسيما في القارة الأوروبية، عبر التاريخ. اليوم تحاول المدن الأوروبية التاريخية جاهدة الحفاظ على هويتها الشخصية وعلى تراثها الخاص، لكن هذه المحاولات تبقى بجدوى قليلة جداً، فبالنسبة للزائر أو السائح العابر، فإن الاختلافات تظل ضئيلة بين العواصم الأوروبية، فمع بعض المعالم الشهيرة التي تعرف بها هذه المدينة أو تلك، تبقى الصورة الكاملة متطابقة لحد قول البعض إنه لم تعد هناك جدوى من زيارة أكثر من مدينة أوروبية، لأن زيارة مدينة واحدة أو بلد واحد يكفي، وسواء في هذا ما تعلق بمناطق التسوق أو المطاعم أو حتى وسائل الترفيه. يجب أن يظل التشكيك في “العولمة” محلاً للنقاش، وإن كنا قد بدأنا هذه التساؤلات اليوم، فقد سبقنا إليها الأوروبيون الذين شّكك كثير منهم، وما زالوا يشككون، في جدوى “الأورَبة” التي تسعى لإلغاء الهويات الوطنية في سبيل الانتقال لهوية قومية قارية جديدة. لماذا أصر البريطانيون على الخروج من الاتحاد الأوروبي رغم ما يوفره لهم هذا الاتحاد من مزايا سياسية واقتصادية؟ كانت الإجابة المطروحة هي مسألة اللاجئين وهي بلا شك أحد الأسباب التي يطرحها اليمين في كل البلاد الأوروبية. لكن الحديث عن مشكلة اللاجئين في بريطانيا يبدو مختلفاً، فهي ليست مثل إيطاليا مثلاً أو إسبانيا، أي أنها ليست الخيار الأقرب بشكل يجعل منها هدفاً لجموع اللاجئين أو المهاجرين. الواقع أن بريطانيا ظلت نائية بنفسها عن هذا الاتحاد، رغم صوتها القوي داخله، وما تمتاز به من ثقل. ظلت لندن محتفظة بجنيهها، رافضة ما يعرف بمجال “الشنغن” الذي يلغي الحدود بين الدول الأوروبية.
السبب الأكثر واقعية واقناعاً لمجموع الناخبين، لم يكن موضوع المهاجرين بقدر ما كان الخوف من ذوبان الهوية البريطانية، فكان إجراء الخروج من الاتحاد الأوروبي هو مجرد محاولة للحفاظ على الهوية، رغم أنه لا يعرف بعد ما إذا كانت هذه المحاولة قادرة فعلاً على النأي ببريطانيا عن تيارات “الأوربة” بشكل كامل، وإلى أي وقت. الحالة البريطانية مشابهة لحد كبير للحالة السويسرية، وإن كان وضع سويسرا يبدو أكثر تعقيداً بسبب موقعها الجغرافي، الذي لا يقع على حدود الاتحاد الأوروبي، بل في عمقه. كان غلق الحدود غير عملي من الناحية الإجرائية بالنسبة لدولة كسويسرا، لكن بالمقابل فقد كان السويسريون مصرين على الاحتفاظ بعملتهم الوطنية، الفرنك، ليس لفائدة التعامل به مقارنة بالعملة الموحدة، اليورو، ولكن لما يمثله من رمزية لثقافة خاصة. الدول المنضمة حديثاً للاتحاد الأوروبي وجدت نفسها هي أيضاً مقابل تساؤلات مهمة، فقد طلب منها قبول نمط الحياة الأوروبية بما يمثله من قيم انفتاح وقبول للآخر وحرية مطلقة، لكن هذه الدول كانت تعتبر أن لها خصوصية بحكم الموقع الجغرافي وبحكم التاريخ، وكانت لها بعض التحفظات على الطريقة الأوروبية في معالجة مسائل اللجوء مثلاً، إلا أنها تفاجأت بأن صوتها غير مسموع، وأن المطلوب منها هو تكييف أوضاعها، بما يجعلها مشابهة لغيرها من الدول الأوروبية، بغض النظر عما تراه من ظروف خاصة أو ثقافة مختلفة. طرح المثال الأوروبي مهم، فعملية “الأوربة” التي ظل الجميع يتحدث عن نجاحها، وعن كونها مثالاً يجب أن يحتذى، ليست سوى ابنة للعولمة التي تهدف أيضاً، وفي إطار أكبر لإلغاء الخصوصيات الثقافية والتنوع لحساب منطق واحد، ووجهة نظر معينة ليست محايدة بقدر ما أنها تابعة لطرف دون آخر.
صاحب القرار في العولمة لن يكتفي بفرض نموذجه الاقتصادي، بل سيضع لنا المعايير العالمية لجودة المنتجات وللنظم التعليمية، وسيمنحها تعريفاً جديداً للأسرة قد لا يكون مشابهاً لما اعتادت معظم شعوب العالم عليه، كما سيمنحنا تعريفاً جديداً للأنواع التي لم تعد تقتصر على الذكر والأنثى، محمياً بالكثير من القوانين الدولية، لن يكون من السهل رؤية هذا الجانب القاتم والمعتم، لاسيما وأنه يتستر بكثير من العبارات اللطيفة عن الحرية والحقوق والقيم العالمية.

القدس العربي 




مواضيع ساخنة اخرى

في المرحلة الحاسمة..هل تحرك إيران أذرعها الخبيثة بالمنطقة؟
في المرحلة الحاسمة..هل تحرك إيران أذرعها الخبيثة بالمنطقة؟
بالفيديو : السفير السعودي في الاردن : قرار نقل السفارة للقدس ليس قرآنا منزلا
بالفيديو : السفير السعودي في الاردن : قرار نقل السفارة للقدس ليس قرآنا منزلا
بشهادة قضائية.. مرسي بريء من التخابر والقتل ولا شائبة بذمته المالية
بشهادة قضائية.. مرسي بريء من التخابر والقتل ولا شائبة بذمته المالية
نجل مرسي: السلطات المصرية رفضت السماح بدفنه في مقابر العائلة
نجل مرسي: السلطات المصرية رفضت السماح بدفنه في مقابر العائلة
وفاة مرسي.. غضب شعبي وقلق حقوقي وصمت عربي وغربي
وفاة مرسي.. غضب شعبي وقلق حقوقي وصمت عربي وغربي
هكذا نعى أردوغان وأمير قطر وشخصيات عالمية الرئيس مرسي
هكذا نعى أردوغان وأمير قطر وشخصيات عالمية الرئيس مرسي
النيابة العامة في مصر: مرسي سقط مغشيا عليه داخل قفص الإتهام وتم نقله للمستشفى
النيابة العامة في مصر: مرسي سقط مغشيا عليه داخل قفص الإتهام وتم نقله للمستشفى
لقاء مع نيكي هيلي حول صفقة لقرن ( ترجمة خاصة )
لقاء مع نيكي هيلي حول صفقة لقرن ( ترجمة خاصة )
بالفيديو : انفجار مستودع ذخيرة للجيش السوري بدمشق
بالفيديو : انفجار مستودع ذخيرة للجيش السوري بدمشق
الرئاسة : ابو مازن افشل صفقة القرن
الرئاسة : ابو مازن افشل صفقة القرن
عبدالله بن زايد: هجوم السفن الأربع في خليج عمان نفذته دولة
عبدالله بن زايد: هجوم السفن الأربع في خليج عمان نفذته دولة
تحقيق يكشف سبب كارثة الطائرة الروسية
تحقيق يكشف سبب كارثة الطائرة الروسية
الجامعة العربية تحذر من تسوية قضية فلسطين "خارج القانون الدولي"
الجامعة العربية تحذر من تسوية قضية فلسطين "خارج القانون الدولي"
عضو كنيست  : " المستوطنات وغور الأردن والقدس موحدة"
عضو كنيست : " المستوطنات وغور الأردن والقدس موحدة"
بالفيديو : لقطات مؤثرة لنجل شهيد مسعف خلال تشييعه بغزة
بالفيديو : لقطات مؤثرة لنجل شهيد مسعف خلال تشييعه بغزة
بالفيديو : مقتل 10 مدنيين في القصف المتواصل للنظام السوري وروسيا على "خفض التصعيد"
بالفيديو : مقتل 10 مدنيين في القصف المتواصل للنظام السوري وروسيا على "خفض التصعيد"
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :

اضف تعليق

مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

صحف إيرانية تسخر من رد ترامب على إسقاط الطائرة الأمريكية


اقرأ المزيد