Date : 21,05,2018, Time : 02:15:39 AM
3354 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الجمعة 12 محرم 1438هـ - 14 أكتوبر 2016م 12:46 ص

ينتظرون هدم حلب

ينتظرون هدم حلب
محمد صلاح بوشتلة

نكرّر أحداث الماضي اليوم، وبشكل عادي جداً، في حق أنفسنا. لا لا هذه ليست بداية جيدة لمقال، بل هكذا يجب أن أبدأ. نرتكب حماقات الماضي نفسها، وبشكل هو الأفظع، في حق أنفسنا التي نسلّمها للموت، ونهدِّئ من روع بعضنا، في صبرٍ ورباطة جأش أسطوريين، ونحن نمدّ أعناقنا القصيرة لمن يذبحنا، وكأنّ الأمر لا يعنينا، لا من قريب أو بعيد، على الرغم من أنّ الأمر لا يتعلّق إلا بأرواحنا التي ليس لدينا منها سبعة أرواح أخرى، كما تحكم بذلك ثقافتنا الشعبية لفصيلة الهِرريات.

هكذا وبسلاسةٍ نسلّم أنفسنا لسكاكينهم، ومنازلنا ومدننا القديمة لطائراتهم المجنونة، إذ أصبحنا شعوباً بلا أبطال ولا مجد ولا بطولة، أحذية من دون جوارب، ولا حتى أقدام، ولا وجهة، أعمدة نور من دون نور. لهذا، بالتأكيد ستصل إلينا رسل لا من طينة الرسل والأنبياء الأوائل، أمثال موسى كليم الله، وإبراهيم خليله والبقية، وإنما رسل من كل حدبٍ في الوطن العربي، ينسلون ليطبعوا حقبنا التاريخية، بعضهم على ظهر دبابة يأتي، وبمعية فيالق العسكر، وبعضهم بوعدٍ كاذب، ووزراء داخليتهم هم دوماً عندنا وعندهم بمنزلة هارون من موسى، لا يدعون إلى توحيد الله والبر ببعضنا، بل فقط دعوتهم هي لمصّ جيوب الناس، حتى آخر قرش من "تحويشة" عمر متاجرتهم في فقرهم وجوعهم، فتُجبى إليهم ثمار كل شيء، حيث الفرق بينهم وبين النبي الحقيقي أنّ الأخير يكره ويأنف أن يتحمّل مسؤولية تجويع الجماهير الكادحة والمسكينة، لأنها مسؤولية يراها الطريق الملكي نحو جهنم التي ترتعد لها فرائس الأنبياء، وتنخلع لها قلوبهم الطيبة، والأشدّ براءةً حتى من الأطفال.

المهم، ألقَى اللهُ ربُّ العالمينَ الخوفَ في قلوبِ المسلمينَ من التتارِ خوفًا عظيمًا متناميًا متراميًا أطرافُهُ. تماماً كما هو الحال معنا، أزيز طائرات الروس فوق رؤوسنا، وصواريخ العرب التي اشتريت من تعب الشعوب وشقائها تصدأ في مخازن لا تعرف المعارك، ولم تسمع بها. يموت العربي أمام فيالق الغدر الفارسي، ولا يجد ربما غير فردة حذائه، ليرمي بها طائرات الروس، وتقف بقية الشعوب العربية بعيداً، لا تقدّم لجوعى سورية ومظلوميها شيء، غير تعليقات على "فيسبوك" تمجد صبر الحلبيين، وتعليقات أخرى تحزن لجوعهم ودمائهم. لكن، كيفما كان الأمر فالعَوَر أفضل كثيراً من العمى. وبعد حملة تضامن فيسبوكي، يعود الجميع إلى مواضيع أيامه الأهم من قبيل: ما هي حلول التخلص من رائحة جواربك؟ وتعرف إلى عشر دول أوربية، تعرض عليك جنسيتها شرط الزواج من إحدى مواطناتها؟

بقية العرب مشغلون حدّ التعب بأمورٍ يرونها الأهم، قبل أن يأتي الدور لذبحهم وتدمير بيوتهم، والسوريون المساكين ما زالوا ينتظرون نفاذ صبر ووقود الطائرات الروسية، وهي تهيل عليهم الأتربة والموت، وتكسر صبر سواري البنايات القديمة جداً في حلب التي كان نبي الله ابراهيم قد سكن فيها ردحاً من الزمن، والتي يربو عمرها على الإثني عشر ألف سنة، لتخرّ وكأنها لم تكن، فتختصر حقباً تاريخية طويلة ومجيدةً في كومة تراب، وتختلط بشيء من دم الطفولة، ومن براءتها، كلّ هذا بعد أن لم يعد لحلب وساكنتها أملٌ في غضبات الغرب، ولا العرب، فالغرب ما يزال يناقش حلاً سلمياً يرضي روسيا وشركاءها في القتل من النظام السوري، وفيالق ألوية الموت الشيعية، والذي ربما يكون هو تدمير سورية بالكامل، لتنشيط شركات البناء والإعمار العالمية، والعربي ما يزال متكئاً على طريقة محمد علي باشا، يدخّن نرجيلته مرة، وينظر، بعينيه الجميلتين، إلى عقارب ساعة حائطه المشقّق مرة ثانية، فلغضبة العربي وقت وموعد، إن دقت ساعته، فلا حاجب ولا راد له.

حتى اليمين المتطرّف الفرنسي يصرخ "أنقذوا حلبهم"، حتى ولو سخرية، غير أنه يقدر على النطق بكلمة حلب، أما العرب فيبتلعون ألسنتهم الطويلة. وحتى الحديث عن مظاهرات التضامن العربي العربي الذي كنا نفتخر بمسيراتها المليونية لم يعد يحلو لأحد الحديث عنه أو الدعوة إليه، فالكل ملّ من شعارات "خيبر خيبر يا يهود/ جيش محمد سيعود" وبقية الشعارات المصطفة على طول حناجرنا القصيرة والمنحنية.

لم تعد لدينا مشكلة، حتى في المشي في جنائز من ذبحونا، وارتكب المجازر في حق من نعتبرهم إخواناً لنا في العروبة والدين، بل ونضطر إلى أن تؤدي وجوهنا البشعة دور البكّاء الحزين، عسى الميت أن يكون مات وهو عنّا راضٍ، نجامله ونجامل من أحاط به من زملاء القتل الذين لم تسحب أرواحهم نواعير الموت، لنظهر للعالم كم نحن طيّبون، أطيب من المرحومة دوللي، ومن كلّ نعاج العالم.

(المصدر: العربي الجديد 2016-10-14)




مواضيع ساخنة اخرى

  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :

اضف تعليق

مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

صور ..مرشح عراقي فاز بالانتخابات بلا دعاية وسيرأس البرلمان


اقرأ المزيد